الصفحة 10 من 36

الدكتور محمود أبو زيد:"من أن المؤشرات الحالية توضح أن 26 دولة من دول العالم يقطنها حوالي 300 مليون نسمة تعاني من مشكلات نقص المياه، ومتوقع بحلول عام 2050 أن يصل هذا العدد إلى نحو 66 دولة" [1] وذلك إذا لم نأخذ في اعتبارنا التدابير اللازمة لتوفير الكميات اللازمة من المياه من خلال مصادر بديلة وغير تقليدية، كتحلية المياه المالحة، والتوسع فيها .. وغيرها.

وإذا كانت مشكلة المياه مشكلة عالمية تعاني منها عديد من الدول، فإنها في بلادنا العربية أكبر حجما وأكثر خطرا، ولها جذور وخلفيات طبيعية واجتماعية وسياسية وغيرها، وتواجهها الكثير من التحديات؛ لذلك فلابد من تكثيف دراسة هذه المشكلة في بلادنا، والتركيز على إبراز منهج الإسلام في العناية بالمياه، وإخراج كنوز ثراثنا العربي والإسلامي المتصل بهذه القضية، وترسيخ أبعاد هذه المشكلة في ضمير المسلم المعاصر، ليعلم أن منهج الله جاء للصلاح والإسلاح، وأن علاقة الإسلام بالبيئة بكافة عناصرها بما فيها الماء علاقة سلام وانسجام ..

وفي هذه الورقة نتحدث عن منهج الإسلام في الحفاظ على المياه باعتبارها من أهم عناصر البيئة .. ويتركز حديثنا في عدة قضايا على النحو التالي:

أولا: الماء ونشأة الحضارات

الماء هو المكون الأساس في نشأة الحياة وتطور الحضارات الإنسانية عبر تاريخ الإنسانية المديد، ولولا الماء مع العوامل الاساسية الأخرى لَمَا كان البشر ولا الحيوان ولا النبات ... مصداقا لقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء: 30] .

وعندما يبحث علماء الفلك عن الحياة في كواكب أو عوالم أخرى، فإنهم يستدلون على ذلك من خلال ما يشير إلى وجود الماء في حاضر أو ماضي تلك الكواكب. لذا فإن الكائنات الحية كلها -وعلى رأسها الإنسان- تدرك بأن الماء يساوي الحياة [2] .

ذلك أن المتتبع لحركة الإنسان منذ بدء الخليقة وحتى الآن، يلحظ أن الموارد المائية كانت ومازالت وستظل هي نقطة الالتقاء والتجمع؛ لما لها من أهمية قصوى في حياة الكائنات الحية، من حيث كونها مصدرًا أساسًا من مصادر استمرار الحياة، ومن حيث الوظائف التي تضطلع بها في المجالات المختلفة للبيئة التي يعيش فيها الكائن الحي، مثل الزراعة والصناعة والإسكان والشرب والنظافة ... إلخ.

ولما كان الماء هو الأساس في نشأة الحضارات الإنسانية وتطورها؛ فإن حضارات السومريين والبابليين والآشوريين والفينيقيين والفراعنة، نشأت في أحواض الأنهار، كذلك فإن المدن التاريخية الكبرى ازدهرت على ضفاف الأنهار، فبغداد ودمشق والقاهرة ولندن وباريس وبرلين، بُنيت على ضفاف دجلة، والفرات، والنيل، وبردى، والتيمس، والسين، والراين -على التوالى- وهكذا في كل مدينة أو منطقة حضارية كان الماء هو المصدر الأساس لتجمعها وحضاراتها [3] .

(1) الأمن المائي العربي، أعمال المؤتمر الدولي الثامن الذي نظمه مركز الدراسات العربي الأوروبي في الفترة من 21 - 23 فبراير 2000 بالقاهرة، من كلمة الدكتور محمود أبو زيد وزير الأشغال والموارد المائية المصري، نشر دار بيسان - بيروت، الطبعة الأولى سنة 2000، ص 27.

(2) د. عبد العزيز بن صقر الغامدي، من تقديمه لكتاب: المياه ومتطلبات الأمن المستقبلي في الدول العربية: دراسة في دبلوماسية المياه، تأليف د. طارق المجذوب، مركز الدراسات والبحوث بأكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية بالرياض- المملكة العربية السعودية، سنة 1420 هـ - 1999 م، ص 3 بتصرف.

(3) فتحى على حسين، المياه وأوراق اللعبة السياسية في الشرق الأوسط، مكتبة مدبولى، القاهرة، سنة 1997 م، ص 7 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت