الصفحة 26 من 36

تحفل الشريعة الإسلامية بالكثير من النصوص التي تحث على حماية الماء من التلوث، فعن أبى هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) [أخرجه مسلم] .

فقالوا يا أبا هريرة: كيف يفعل؟

قال: يتناوله تناولًا. .

وعن جابر (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) (أنه نهى أن يُبال في المال الراكد) [أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة] كما نهى عن التبرز فيه؛ فعن أبى سعيد الحميري عن معاذ بن جبل (رضي الله عنهم جميعا) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (اتقوا الملاعن الثلاث، البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل) [أخرجه أبو داود] .

كما نهى أيضًا عن ترك الإناء بدون غطاء، أو ترك السقاء بدون رابط؛ حتى لا يتلوث ما بداخله، فعن جابر (رضي الله عنه) أنه سمع النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: (غطوا الإناء وأوكئوا السقاء [1] فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء، إلا نزل فيه من ذلك الوباء) [أخرجه مسلم] .

ويتجلى حرص النبي (صلى الله عليه وسلم) في المحافظة على نقاء الماء في قوله: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده) [أخرجه مسلم] . وسبب الحديث كما قال العلماء، هو أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تقع يده على ذلك الموضع النجس أو على قذر غير ذلك [2] .

فهذه طائفة من الأحاديث وغيرها كثير، تنهي عن تلويث الماء بالبول والبراز؛ لأن هذا الصنيع -مع قذارته وتقزز النفوس منه- يولد أمراضًا وبائية، فهذا بول فيه بلهارسيا، وهذا فيه حمى صفراء، وآخر فيه صديد، إلى غير ذلك من الأمراض التي تظهر في البول، وهذا هو السر في كثرة المصابين بهذه الأمراض من أبناء الريف الذي لا يتحرز بعض أهله عن هذا الصنيع.

ومن هنا يتبين سر نهي النبي (صلى الله عليه وسلم) عن التبول والتبرز في الطريق والظل والماء، سواء أكان جاريًا أم راكدًا؛ لأن الماء الجاري يحتاجه الناس في شرابهم ومأكلهم ونظافتهم وزراعتهم، فإذا كان ملوثًا بشئ مما ذُكر، وكان هذا الشئ لإنسان مريض، فلا شك في انتقال المرض إلى من استعمل ذلك الماء الملوث [3] .

وفى حالة الماء الراكد تزداد المخاطر وتتفاقم وتزداد حدتها؛ لأن الماء الراكد بطبيعته يعد مرتعًا للميكروبات التي تسبب أمراضًا خطيرة للإنسان.

ثامنا: الإسلام وتحريم الإسراف في زراعة نباتات الزينة

ومن عظمة الإسلام إقراره لمبدأ المحافظة على الثروة النباتية وعدم الإسراف في زراعة ما ليس فيه فائدة، أو ما تقل فائدته، تحاشيًا لاستنزاف المياه فيما لا عائد له، واستبداله بزراعة النبات المثمرة التي تحقق الكفاية من الغذاء للمسلمين.

وهذا المبدأ اعتمده الفقهاء المسلمون بناء على ما أقره الإسلام من الامتناع عن الإسراف في كل مجالات الحياة، وأباحوا زراعة نباتات الزينة في الحالات التي تكون فيها الأمة مكتفية في غذائها، أما إذا كان عدد السكان كبيرًا، والإنتاج الزراعي

(1) أي غطوا الطعام واربطوا قِرب الماء.

(2) د. عبد الفتاح الشيخ: اهتمام الإسلام بالماء والنظافة، ص 26.

(3) المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت