وإذا كان الله -عز وجل- قد جعل الماء بهذه المكانة وجعله ضروريًّا لكل شئ حي، سواء أكان إنسانا أم حيوانًا أم نباتًا أم غيره، فإن ذلك أدعى إلى أن نحافظ عليه لأنه النعمة المهداة من الله تعالى إلى جميع مخلوقاته حتى تستمر في العيش إلى ما شاء الله.
الناظر في الشريعة الإسلامية الغراء يلاحظ أن نصوصها قد تضافرت للحث على المحافظة على موارد المياه، وعلى حمايتها من كل العوامل التي تسبب فسادها؛ لذلك نهت الشريعة عن الإسراف في الماء أو استعماله في غير موقعه، أو تجاوز الحد اللائق في استعماله حتى لو كان بغرض الطهارة من الحدث الأكبر أو الأصغر، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) مضرب المثل والقدوة الحسنة والمثل الأعلى في ذلك، فقد روى الإمام مسلم من حديث أنس (رضي الله عنه) أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد) [رواه مسلم] وجاءه أعرابي يسأله عن الوضوء (فأراه ثلاثًا ثلاثا، قال هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) [رواه أحمد] ، وجاءت الأحكام الشرعية الإسلامية لتنبه على أهمية الماء في الحياة، وتحذر من الإسراف في استهلاكه في أغراض الشرب والصناعة والزراعة، وحتى في مجال العبادات -كما سبق- سواء أكانت هذه المياه متوفرة بكثرة أم محدودة؛ لأن العبرة بالتصرف الأخلاقي المتوازن فيها، وليس بالنظر إلى كثرتها أو قلتها، حتى تحتفظ البيئة بتوازنها بهذا المورد المهم، قال مجاهد:"لو أنفق إنسان ماله في الحق لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مدًا في غير حق كان مبذرا" [1] .
فعن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) : أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال: (ما هذا السرف يا سعد؟)
فقال: أفي الوضوء سرف؟
قال: (نعم، وإن كنت على نهر جار) [أخرجه ابن ماجة] .
والحديث يدل على النهي عن الإسراف في الماء للغسل والوضوء، واستحباب الاقتصاد. وقد أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء، حتى ولو كان الشخص على شاطئ النهر. قال بعض أصحاب الشافعي إنه حرام، وقال بعضهم إنه مكروه. ومعنى هذا أن كل استهلاك للماء يتجاوز القدر المطلوب المؤدي للغرض، ويتسبب في إهدار كميات منه بدون سبب، يعدُّ في الإسلام إساءة وظلمًا. وقد استند الفقهاء إلى هذا الحديث ليقروا أن الزيادة في غسل الأعضاء في الوضوء على الثلاث الواردة في الحديث مكروهة، إذا كان الماء مباحًا أو مملوكًا لصاحبه، وأما إذا كان موقوفًا مثل: ماء المساجد والمدارس، فإن الزيادة فيه على ثلاث، حرام عند جمهور الفقهاء؛ لأن الغرض منه هو الوضوء الشرعي فقط.
ومن هنا نؤكد على أنه إذا كان التشديد في استهلاك الماء في حالة العبادة والتطهر هذا شأنه، فمن باب أولى أن يلتزم الإنسان بالحد المعتدل في الحالات الأخرى كالطهي والتنظيف والاستحمام والنظافة .. وغيرها [2] .
سابعا: الإسلام والنهى عن تلويث الماء
(1) محمد على الصابوني: مختصر تفسير ابن كثير، دار القرآن الكريم، بيروت الطبعة، السابعة سنة 1981 م، صـ 473.
(2) د. محمد زرمان: الفقه الإسلامي ودوره في حل مشكلة التلوث (مرجع سابق) صـ 29 - 30 بتصرف، وانظر أيضًا: الشوكاني: نيل الأوطار، طبعة دار الجيل، بيروت ج 1 صـ 250، محمد شمس الحق العظيم آبادي: عون المعبود، طبعة دار الكتب العلمية. بيروت، الطبعة الثانية 1415 هـ، جـ 1 صـ 118.