غير كاف لتلبية احتياجاتهم الضرورية -كما هو الحال الآن- فإن الإسلام يفرض علينا أن نوجه عنايتنا إلى استنبات المحاصيل الغذائية، وعدم تبديد التربة والمياه فيما لا فائدة منه.
وقد تناول ابن خلدون هذه الفكرة في مقدمته، وأشار إلى أن من بين أسباب تفشي المجاعات في الأمصار: انصراف الأغنياء إلى زراعة أشجار الزينة للتباهي بها، وإغفالهم الضروريات التي يكون بها معاش العباد .. ويؤكد أن المدينة إذا كثر فيها غرس النارنج [1] تأذنت بالخراب، حتى إن كثيرًا من العامة يتحاشون غرس النارنج .. ثم إن النارنج والليم [2] والسرو [3] وأمثال ذلك مما لا طعم فيه ولا منفعة هو من غاية الحضارة، إذ لا يقصد بها في البساتين إلا أشكالها فقط، ولا تغرس إلا بعد التفنن في مذاهب الترف [4] .
لقد أراد الإسلام أن يكون الاقتصاد في الاستهلاك صفة أساسية من صفات المسلم، وخلقا مركوزًا فيه، يوافقه في جميع مجالات حياته، ويكيف سلوكه، ويرشده إلى أقوم السبل للتعامل مع مختلف موارد البيئة، لصيانتها من العبث، والمحافظة عليها من السرف، وحمايتها من التبديد، وهي الأمور الضرورية التي تفتقر إليها البيئة، ويفقدها الإنسان العربي، وتتطلب من المسلم التحرك الواعي في هذا المجال؛ لإيجاد القنوات المؤثرة التي بإمكانها توصيل هذا الفكر الخصب والطرح الواعي إلى العالم [5] .
لقد كان العرف السائد هو المنظم لحقوق استغلال المياه قبل الإسلام .. حيث كانت القبائل المتنقلة في أراضي شبه الجزيرة العربية تستقر في مواقع خلال الترحال، وفي هذه المواقع ترسم مناطق على الأرض تسمى"الحريم"تحدد بها القبيلة مجال حق الانتفاع بالموارد المائية السطحية والجوفية القريبة إلى المضارب والواقعة ضمن نطاقها، مع مراعاة حقوق باقي القبائل من المناطق المجاورة. وكان هناك مفهوم آخر هو"الحمى"الذي يعبر عن استعداد القبيلة للدفاع عن حقوقها، وهو مكون من عنصرين: يحدد العنصر الأول خط الدفاع الفعلي المرسوم على الأرض، ويتضمن العنصر الثاني الاعتبارات المعنوية والحقوقية لكيان القبيلة، وكان انتهاك أي من هذين العنصرين يدعو القبيلة للنهوض والذود عن الحمى.
ومع مجيء الإسلام رسالة ربانية مصلحة ومجددة وبانية ومحققة للسلام على هذا الكون، فقد وافق على الأعراف السائدة، لكنه ألغى كل المفاهيم التي تكرس الملكية الفردية للمياه والحقوق المطلقة للانتفاع بها. ذلك أن الماء في الأصل -ككل شي- ملك لله، ويجب أن يكون متاحًا لكل الناس، لا يجوز احتكاره أو امتلاكه أو بيعه، كما جاء في الحديث الشريف، لذلك نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن بيع الماء. قال أبو يوسف: وتفسير هذا عندنا، والله أعلم، أنه نهى عن بيعه قبل أن يحرز، والإحراز لا يكون إلا في الأوعية والآنية، فأما الآبار والأحواض فلا [6] .
ولقد حرص فقهاء المسلمين على جعل الارتفاق بالمياه حقا عامًا تحميه الدولة، بل وألزموا الدولة بتطهير الأنهار العامة وصيانة جسورها، أما إذا كان مورد المياه يخص طائفة بعينها، فإن عليهم صيانتها. لقد تطورت الأحكام المتناثرة للمياه في
(1) النارنج: شجرة مثمرة من الفصيلة السذابية دائمة الخضرة، لها رائحة عطرية، وأزهارها بيض، عبقة الرائحة، تظهر في الربيع وتستعمل في صنع ماء الزهر وبعض العطور. راجع: مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، صـ 913.
(2) الليم: هو نفسه الليمون، وهو شجر مثمر من فصيلة البرتقاليات.
(3) السرو: جنس شجر حرجي للتزيين، من فصيلة الصنوبريات. راجع: مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، صـ 248.
(4) مقدمة ابن خلدون. ص 251.
(5) د. محمد زرمان (مرجع سابق) صـ 32 ـ 33 بتصرف.
(6) راجع الزميل د. خالد عزب (مرجع سابق) ص 7 وما بعدها بتصرف.