الأمراض الجرثومية سببها الأساس، انحدار مستوى النظافة أو عدمها، المسمى في لغة الشرع بالنجاسة. ولقد وردت الطهارة ومشتقاتها في (31) موضعا تقريبا في القرآن الكريم, وبأساليب متعددة مختلفة كالمنة والفضل من الله في مثل قوله تعالى:) وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ ( [الأنفال:11] ووردت كذلك في صيغة الأمر:) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ( [المدثر: 3 - 4] وفي صيغة الترغيب حين أثنى سبحانه وتعالى على أهل مسجد قباء بقوله:) فيه رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: 108] . وجاءت في السنة الشريفة أحاديث كثيرة تبين أهمية الطهارة وترغب فيها، منها قول النبي (صلى الله عليه وسلم) : (الطهور شطر الإيمان) [رواه مسلم في كتاب الطهارة] , وقال أيضا: (طهروا هذه الأجساد طهركم الله) [رواه الطبراني في الكبير] . وتأكيدًا على دور الطهارة والنظافة في الصحة العامة، يحث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على المداومة على حالة الطهارة حتى خارج أوقات الصلاة, حيث يقول لأنس بن مالك رضي الله عنه: (يا بني إن استطعت ألا تبيت إلاَّ على وضوء فافعل, فإنه من أتاه الموت وهو على وضوء أعطي الشهادة) [رواه الطبراني في المعجم الصغير] [1] .
هذا وقد جعل الله سبحانه وتعالى الماء أساسا للوضوء والغسل والنظافة وجعلها من القواعد والمعالم الرئيسة للصحة العامة في الإسلام، باعتبارها مقدمات لازمة للعبادة، بحيث لا تصح العبادة بدونها، يقول تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) [الأنفال:11] . وقد حرص الإسلام على النظافة بشقيها المعنوي والحسي، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: 222] . وجعل سبحانه الوضوء مقدمة للصلاة، وهو مشتق من الوضاءة، وهي الحسن والجمال، ويلاحظ أنه قبل الدخول في الصلاة يؤمر المسلم بالاستنجاء من الخبث والنجس، وستر العورة بلباس طاهر، والوقوف على مكان طاهر، ثم يشرع يتوضأ خمس مرات في اليوم والليلة للصلوات المفروضة، وأكثر من ذلك عند صلاة النوافل .. وفي الوضوء شمولية النظافة لكثير من أعضاء البدن، حيث غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح بعض الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين، بالإضافة إلى مسنونات الوضوء، كالمضمضة والاستنشاق ومسح الرأس وغسل الأذنين وتخليل اللحية الكثة وتخليل الأصابع، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: 6] ، والمتأمل في شعيرة الوضوء يرى أن تلك الأعضاء المطلوب غسلها أو مسحها عند القيام إلى الصلاة هي الأعضاء التي تحتاج دائمًا إلى التطهر من أثر الملامسة المتكررة والإفرازات التي لا تنقطع. وهكذا يرشدنا ربنا -سبحانه وتعالى- إلى أهمية الوضوء والتطهر، حماية للجسد مما يطرأ عليه من آفات تضر البدن وتؤثر في الصحة [2] .
وتتجلى حكمة غسل كل عضو بالماء، كما يلي:
(1) المرجع السابق ص 351 وما بعدها.
(2) د. محمد عبد العليم العدوي: الإسلام وحماية البيئة، من أعمال مؤتمر الاجتهاد في قضايا البيئة ص 6 وما بعدها بتصرف، د. عبد الحميد المجالي: البحوث الطبية في أحكام الطهارة، ص 5 وما بعدها بتصرف.