الصفحة 27 من 38

وكان الفتح بن خاقان وزير المتوكل، ناصر السنة، -رحمه الله- يحمل الكتاب في كُمه أو في مكان آخر من ثيابه، فإذا قام من بين يدي المتوكل لبعض حاجاته -لقضاء حاجة أو للصلاة- أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي، حتى يبلغ الموضع الذي يريده، ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه، إلى أن يأخذ مجلسه، فإذا أراد المتوكل القيام لحاجة، أخرج الكتاب من كمه أو من موضعه الذي هو فيه، وقرأه في مجلس المتوكل إلى حين عوده.

قال ابن الجوزي:"وإني أخبر عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره من قبل فكأني وقعت على كنز، وإن كنت قلت: إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعد في الطلب".

ضرب أئمتنا أروع المثل فلهم في كل نوع صبر نصيب، فحازوا بذاك المعلى والرقيب، ولولا أن الله حبب إليهم المكاره في طلب العلم، وتحصيله، وأيدهم بروح منه ما كان ليعرف للعلم شرف، أو فضيلة أو كان ليكون للأنبياء ورثة. . .، أو أن يكون للعلم حملة يحملونه، فتركوا لنا بذلك أعظم الأثر وأطيبه، وخير ما يرثه بشر عن بشر، فلله عزائمهم، ولله هممهم رحمهم الله ورضي عنهم.

قيل لبعضهم: بما أدركت هذا العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح.

وهذا إمام الدنيا في زمانه أبو عبد الله البخاري -رحمه الله-، كما يحدّث عنه تلميذه ابن أبي حاتم -رحمه الله- قال:"كنت معه في سفر، وكان يجمعنا سقف واحد، فكان يضطجع على فراشه لينام، فتمر بخاطره الفائدة فيقوم من فراشه ويأخذ القداحة، ويوقد السراج ويخرج أحاديثه فيعلم عليها، ثم يطفئ السراج ويضطجع لينام، فتمر به الفائدة فيقوم، هكذا دأبه، يصنع ذلك في الليلة الواحدة من خمس عشرة إلى عشرين مرة، فكان يصلي بالسحر ثلاثة عشر ركعة".

قال أبو إسحاق المرادي:"جاورت الحافظ المنذري -رحمه الله- ثنتي عشرة سنة، فلم أستيقظ في ليلةٍ من الليالي في ساعة من ساعات الليل، إلا وجدت ضوء المصباح في بيته، وهو مشتغل بالعلم، حتى كان في حال الأكل والكتب عنده يشتغل فيها".

بِقَدْرِ الكَدِّ تُكْتَسَبُ المَعَالي** وَمَنْ طَلَبَ العُلا سَهِرَ اللَّيَالي

تَرُومُ العِزَّ ثم تَنَامُ لَيلًا ** يخُوضُ البَحْرَ مَن طَلَبَ اللآلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت