أيها المؤمنون: بعد هذه النبذ اليسيرة لأهل العلم التي تبين حرصهم على العلم وأهله، هلا كنا جميعًا من الحريصين على طلب العلم!! فالكتب متوفرة بأحسن الطبعات، والعلماء متوافرون في كل مكان، ولم يبق إلا طلبه من أهله.
فاحرص -يا رعاك الله- على تحصيل العلم، واحرص على تنشئة أولادك على ذلك، ألا تحب أن يكون ولدك شيخ بلدك، وعالمهم ومفتيهم.
قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: الناس ثلاثة: عالِم رباني، ومتعَلِّم على سبيل نجاة، وهَمَج رعاع، أتْباع كل ناعق، يميلون مع كلِّ ريح، لَم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ، العلم خيْرٌ من المال، العلم يحرُسك، وأنت تحرُس المال، العلم يزْكُو على الإنفاق، والمال تنقصه النفقةُ، العلمُ حاكم، والمال مَحْكوم عليه، ومحبة العلم دِين يُدان بها، العلمُ يُكْسِب العالِم طاعةً في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزوالِه، مات خُزَّان المال، وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقيَ الدَّهْر، أعيانُهم مفْقودة، وأمثالهم في القلوب موْجُودة) أخرجه أبو نعيم في الحلية (1/ 79) ، وابن عساكر (50/ 254) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 145 رقم 148 ـ وأيضا 2/ 984 رقم 1877)
العلم ممدوح بكل لسان، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْمُرَادُ بِالْحَسَدِ هُنَا الْغِبْطَةُ وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى مِثْلَهُ.
وقوله: (لا حسد) أي: لو جاز لأحدٍ أن يحسد أحدًا لكان ينبغي له أن يحسد أحد رجلين: إما رجلٌ آتاه الله العلم،
ويرحم الله الإمام أحمد حين كان يقول وهو يشير إلى تفضيل العلماء: (بيننا وبينكم شهود الجنائز) . انظروا إلى جنازة أكبر عالم، وإلى جنازة أكبر غني؛ فسترون الفرق هائلًا! فكل الناس يقولون عن الغني: ماذا عمل؟ مسكين. .! انظروا إلى الفلل التي تركها، والأموال، والضياع. . هل أخذ معه شيئًا؟ لا يدوم إلا الله، ويتكلمون على الزهد في الدنيا، وأن الرجل مضى ولم يأخذ شيئًا، لكن هل قال واحدٌ منهم: يرحمه الله، أو رضي الله عنه؟ لا، لماذا؟ لأنه كان يحرم الناس من عطائه، جمع ماله للورثة.