الأنعام. فكونوا - رحمكم الله - متعلمين، فإن لم تفعلوا فاحضروا مجالس العلم مستمعين ومستفيدين، واسألوا أهل العلم مسترشدين متبصرين، فإن لم تفعلوا وأعرضتم عن العلم بالكلية فقد هلكتم وكنتم من الخاسرين.
أما علمتم: أنَّ الاشتغال بالعلم مِن أَجَّلِ العبادات، وأفضل الطاعات والقربات، ومُوجِبٌ لِرِضَى رَب الأرض والسماوات. ومجلس علم تَجلِسُهُ خيرٌ لك مِن الدنيا وما فيها، وفائدة تستفيدها وتنتفع بها لا شيء يزنها ويساويها!؟ فاتقوا الله عباد الله، واشتغلوا بما خلقتم له من معرفة الله وعبادته.
فها هو ابن القاسم العتكي -رحمه الله- يتزوج بابنة عمه فحملت منه، ثم أراد السفر إلى المدينة ليأخذ العلم عن الإمام مالك، فخيّر امرأته بين الطلاق أو البقاء حتى يعود، وهو لا يعلم متى تكون عودته، فاختارت البقاء.
قال ابن القاسم:"وأنخت بباب مالك سبع عشرة سنة ما بعت فيها ولا اشتريت شيئًا، فبينا أنا عنده ذات يوم إذ أقبل حجاج مصر، فإذا شاب ملثم قد دخل علينا ونحن في المسجد، فسلم على مالك وقال: أفيكم ابن القاسم؟! فأشاروا إليَّ، فأخذ يقبل بين عيني، ووجدت منه رائحة الولد، فإذا هو ابني الذي تركت أمه حاملًا به، قد شب وكبر وصار رجلًا".
وها هو ابن منده -رحمه الله- يرحل من بلده لطلب العلم وعمره عشرون سنة، ولا يرجع إليها إلا وعمره خمس وستون سنة، وكانت رحلته خمسًا وأربعين سنة، ثم عاد إلى وطنه شيخًا، فتزوج ورزق الأولاد وحدث بالكثير.
ولله در القائل:
سهري لنتقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية وطيب عناق
وتمايلي طربًا لحل عويصة أشهى وأحلى من مدامة ساقى
وصرير أقلامي على أوراقها أحلى من الدوكاة والعشاق
وألذ من نقر الفتاة لدفها نقرى لألقى الرمل عن أوراقي
يا من يحاول بالأمانى رتبتي كم بين مستفل وآخر من راقي
أأبيت سهران الدجى وتبيته نومًا وتبغى بعد ذاك لحاقي (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل: لعبد الفتاح أبو غدة ص 409.)