الصفحة 32 من 38

(ذيل طبقات الحنابلة) فانظر كيف يستغل وقت طعامه وراحته في إعمال فكره فيسطره بعد قضاء حوائجه الشخصية؟!!!

وهناك قصة طريفة للشيخ الألباني - رحمه الله - مع النجَّار وباب المكتبة، تبين مدى حرصهم على الوقت، فقد نادى النَجَّار-نَجَارًا من النَجَّاِرين ناداهُ مرةً- قال لهُ أريدُ أن تقلِبَ بابَ المكتبة, بَدَلْ من أن يَفتح على الجهة اليمين تجعله يفتح على الجهة الشِمال. نظر إليه النجار - يعني ما السِّر؟ قال يا شيخ يعني يمين أو شمال ما المشكلة؟ قال-يعني الشيخ الألباني-:تستطيع؟ قال-النجار- طبعا أستطيع لكن قل لي ما السبب؟ قال-الشيخ الألباني-أنا وضعت مكتبي هنا فإذا كان الباب يفتح هكذا سأضطر أن أمشي خمس خُطُوَات زَائِدَة كي أصِل إلى المكتب, فأنا أخرج من المكتب خمس صلوات في اليوم والليلة؛ وقد أخرج مشوارًا لأغراض البيت أو لمحاضرة أو كذا فهاذي سبع مرات كل مرة بين ذهاب وإيَّاب، هاذي حوالي ربع ساعة أو ثلث ساعة ضاعت مني، في الأسبوع كم سيضيع؟! في الشهر كم سيضيع؟! لكن إذا فعلنا هكذا تكون رجلٌ في الباب ورجلٌ على المكتب فلا أُضيع وقتي.

والوَقْتُ أنفَسُ ما عُنِيتُ بحفظهِ وأُرَاهُ أسْهَلَ مَا عَليَّ يَضِيعُ

يقول عبد الرحمن ابن الإمام أبي حاتم الرازي"ربما كان أبي يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه"فكانت ثمرة هذا المجهود وهذا الحرص على استغلال الوقت كتاب الجرح والتعديل في تسعة مجلدات وكتاب التفسير في مجلدات عدة وكتاب السند في ألف جزء.

لهذا فتح الله لهم قلوبًا غلفا وأعينًا عميًا وآذانًا صمًا!!! فإذا كنت تريد اللحاق بهم فاعمل عملهم؛ فالله يسر لك سبل العلم والتقنيات الحديثة ما لم يصل إليه أحدهم، ومع كل ذلك أقول: لا يصل إليهم أحدكم!!! أليس كذلك؟!!!

على أن هذا الحرص ليس قاصرًا على المسلمين فقط، بل اهتم الغربِيُّون به كذلك حتى نهضوا وتدموا به، فقد قرأتُ عن ألبرت إنشتاين، الفيزيائي الألماني الشّهير، أنّه من شدّة حرصه على العلم والوقت كان لا يلبس الأقمصة بأكمامٍ ذوات أزرار، لأنّ غلقها وفتحها يضيع عليه وقتًا ثمينًا في تحصيل العلم!

فيا أيها المعرضون عن طلب العلم! ما هو عُذركم عند الله، وأنتم في العافية تتمتعون!؟ وماذا يمنعكم منه وأنتم في أرزاق ربكم ترتعون!؟ أترضون لأنفسكم أن تكونوا كالبهائم السائمة!؟ أتختارون الهوى على الهدى والقلوب منكم ساهية هائمة!؟ أتسلكون طرق الجهل وهي الطرق الواهية، وتَدَعُون سُبُل الهدى وهي السُّبُل الواضحة النافعة!؟

أترضى إذا قيل لك: مَن رَبُّكَ وما دينك ومَن نبيك لم تحر الجواب!؟ وإذا قيل: كيف تصلي وتتعبد أجبت بغير الصواب!؟ وكيف تبيع وتشتري وتعامل وأنت لم تعرف الحلال من الحرام!؟ أمَا والله إنها حالةٌ لا يرضاها إلا أشباه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت