الصفحة 15 من 38

لقد منع الله-سبحانه- المساواة بين العالم والجاهل؛ لما يختص به العالم من فضيلة العلم ونور المعرفة: امْتَدَحَ اللَّهُ -تَعَالَى- الْعِلْمَ وَالْعُلَمَاءَ، وَذَمَّ الْجَهْلَ وَأَهْلَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَأَهْلَ الْجَهْلِ لَا يَسْتَوِيَانِ أَبَدًا (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [الزمر:9] .

وَقَدْ نَفَى اللَّهُ تَعَالَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ كَمَا نَفَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَأَصْحَابِ النَّارِ فَقَالَ تَعَالَى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزُّمَرِ: 9] . كَمَا قَالَ تَعَالَى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الْحَشْرِ: 20] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ فَضْلِهِمْ وَشَرَفِهِمْ.

وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى صَاحِبَ الْجَهْلِ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْمَى الَّذِينَ لَا يُبْصِرُ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى) [الرَّعْدِ: 19] فَمَا ثَمَّ إِلَّا مُبْصِرٌ أَوْ أَعْمَى، وَقَدْ وَصَفَ سُبْحَانَهُ أَهْلَ الْجَهْلِ بِأَنَّهُمْ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ.

وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسادهم دون القبور قبور

من فضائل العلم أن الله سبحانه أباح لنا الأكل مما صاده الكلب المعلم دون غيره مما لم يعلم فكيف أن البهائم العجماوات تتفاضل بالعلم، فكيف الحال ببني آدم؟! فيكفي العلم شرفا: أن الله عز وجل أباح لك أن تأكل صيد الكلب المعلم، ونهاك أن تأكل صيد الكلب الجاهل: قال تعالى (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [المائدة:4] ، فأنت لو كنت صيادًا تصطاد الطيور، ومعك كلبٌ معلم، علمته أن يعرف الطير الذي اصطدته أنت بعلامة الرصاصة التي تكون في الصيد، فيذهب الكلب فيأتيك بهذا الصيد

وفي حديث عدي بن حاتم في الصحيحين قال: (يا رسول الله! لو أني أرسلت كلبي المعلم -أي: الذي علمته أنا- فأتى بالصيد. . آكل؟ قال: كل. قال: وإن قتلها؟ قال: وإن قتلها) أي: إن نزل الصيد وفيه رمق، ولم يمت من الرصاص، فأمسكه الكلب وقتله، فالذي قتلها إذًا هو الكلب وليست الرصاصة، فهو يسأل النبي عليه الصلاة والسلام: (وإن قتلها؟ -في حالة أن كلب الصيد قتلها- آكلها؟ قال: وإن قتلها) . ولكنه عليه الصلاة والسلام اشترط شرطًا: وهو ألا يكون معه كلب غير معلم، فأباح لك أن تأكل ما أمسك عليك الكلب المعلم، ونهاك أن تأكل ما أمسك عليك غيره، فصار الكلب المعلم مفضلًا بالعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت