وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) النساء:128، فإن صالحته على ترك شيء من حقوقها جاز، فإن رجعت فلها ذلك؛ لأن الفرقة بعد النشوز تقتضي أن يضحي أحد الزوجين بشئ من حقوقه المعنوية والمادية [1] . ومن طرق علاج نشوز الزوج، أن تتحرى الزوجة معرفة الدافع الذي دعا الزوج لذلك، والسبب في التحول المفاجئ، بالإضافة إلى تحري مرضاة الزوج بكل وسيلة مشروعة محققة الغرض المُراد، مع اللجوء إلى الموعظة الحسنة ومحاولة إصلاح أمرها مع زوجها ولم يعطها الإسلام حق العلاج بالهجر والضرب، كما أعطى الزوج؛ وذلك لاختلاف طبيعتها عن الرجل وضعف سلطتها عليه [2] . والزوج العاقل الكريم هو الذي يُقّدر لزوجته أنها قربت مسافة الخُلف بينهما وسعت إلى الإصلاح، ودبرت لاسترجاع حبِّه وكسب عاطفته فيعلي قدرها ويزداد في محبته ا، ويرى فيها نفسا ً وفيّة وروحا ً نقية [3] ، فعَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - [4] ، فيستدل من الحديث النبوي أنه يحق للمرأة أن تضع عن زوجها بعض الواجب لها من حق عليه، وتستعطفه بذلك وتستديم المقام في حباله [5] .
ثالثًا: التدبير الاجتماعي (العائلي أو المؤسسي) : وهو آخر أنواع العلاج، فكل ما ذكر سابقا من أنواع العلاج مقتصر على الزوجين، وقد نص على هذا العلاج في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} (النساء:35) ، فإذا بذل الزوجان جميع جهودهما للإصلاح، ولم يطبقا فرض الشرع تدخل الأهل للتعرف على سر الاختلاف، ثم النظر في الوسيلة المثلى لإصلاحه [6] . وهذه حالة جديدة تحتاج إلى نوع آخر من العلاج، وهي حالة الشقاق المشترك، وذلك فيما إذا لم تكن المشكلة من طرف واحد، بل كان كل منهما ضالعا في ذلك، فكيف يمكن حل المشكلة؟ إن القرآن يطرح أسلوب ما سماه البعض (مجلس التحكيم العائلي) وذلك باختيار شخص واحد أو
(1) انظر: علي فروخ، الأسرة في الشرع الإسلامي (مع لمحة من تاريخ التشريع إلى ظهور الإسلام) ، 1974 م، ص 137. الصابوني، نظام الأسرة وحل مشكلاتها في ضوء الإسلام، ص 127.
(2) انظر: كوثر، سمو التشريع الإسلامي، ص ص 112 - 113. علي فروخ، الأسرة في الشرع الإسلامي، ص 137.
(3) انظرنور الدين، العلاج الشرعي للخلافات الزوجية، ص 58 وما بعدها. السدلان، النشوز (ضوابطه وحالاته) ، ص 52.
(4) البخاري، صحيح البخاري، باب القرعة في المشكلات، حديث رقم (2688) ، ج 3 ص 238.
(5) العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، 1379 هـ، ج 9 ص 313.
(6) البخاري، صحيح البخاري، باب القرعة في المشكلات، حديث رقم (2688) ، ج 3 ص 238.
العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل الشافعي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 9 ص 313.