الصفحة 23 من 44

ثم جاءت الفاصلة القرآنية بقوله تعالى: {إن الله كان عليا كبيرا} إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب، أي (إن كنتم تقدرون عليهن فتذكروا قدرة الله فيده بالقدرة فوق كل يد فلا يستعل أحد على امرأته فالله بالمرصاد فلذلك حسن الإتصاف هنا بالعلو والكبر) [2] ، ويجب أن يكون الضرب غير مبرح، وغير مدم، وأن يتوقى فيه الوجه والأماكن المخوفة، لأن المقصود منه التأديب لا الإتلاف [3] . ولا بد من بيان أنه ورد في الأحاديث ما ينفر من الضرب، لأن عجزه في الوسيلتين الأوليتين دليل على هذا القصور، فعن عائشة (قالت:(مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ خَادِمًا إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَىْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلاَّ أَنْ يُنْتَهَكَ شَىْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) [4] ، فهذا بيان أن الضرب مخالف لسلوك القدوة، وهو ما يدعو أصحاب النفوس المترفعة الباحثة عن الكمال إلى اجتنابه. ولهذه النصوص وغيرها، فإن إطلاق القول بالإباحة خطأ عظيم، لأنه إما أن يكون تشجيعا للأزواج على استعمال هذه الوسيلة، ولو في غير محلها، أو إساءة لدين الله تعالى، دين الرحمة والسماحة، ليتخذ ذلك الجهلة ذريعة لغرس الشبهات، ولهذا فإن القول باعتبار الأصل في الضرب التحريم هو الأولى، ليبقى للرخصة بعد ذلك محلها من قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) [5] ، ويشترط في جواز الضرب ما يلي [6] :

1 -أن يكون الزوج قد أوفاها جميع حقوقها التي وجبت عليه بعقد النكاح، فإن لم يكن قد أوفاها جميع الحقوق لم يجز له أن يضرب؛ لأنه يكون ظالما ً بطلبه حقه مع منعها حقها.

2 -أن يصدر عن المرأة نشوز يسوغ الضرب؛ فلا يجوز ضربها لخلافات مالية، لأن الآية أباحت الضرب مقيدا ً بالنشوز، ثم قال تعالى: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) النساء:34.

(1) القرطبي، تفسير القرطبي، ج 5 ص 173.

(2) القرطبي، تفسير القرطبي، ج 5 ص 173.

(3) انظر: الشعراوي، أحكام الأسرة والبيت المسلم، ص 365.

(4) مسلم، صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام واختياره من المباح أسهله وانتقامه لله عند انتهاك حرماته، رقم (6195) ،الناشر: دار الجيل -بيروت، ج 4 ص 1814.

(5) انظر: ابن العربي، أحكام القرآن، 1/ 536.

(6) انظر: النووي، روضة الطالبين وعمدة المفتين، 1405 ه، ج 10 ص 174. ابن قدامة، المغني،،ج 7 ص 47. كوثر، سمو التشريع الإسلامي، ص 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت