فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 80

(( كانت لي بضاعة أعود بفضلها على شملي، فافترقت في معاملاتٍ في الصعيد، وخرجت إلى من عاملته فجمعتها، وكان مقدارها خمس مائة دينار. وخرجت أريد الفسطاط في رفقة كثيرة الجمع، فلما كان منتصف طريقنا، وافى جمعٌ من الصعاليك فسلب الناس جميعًا. ودهشت، فرأيت منهم شابًا حسن الصورة، فقلت له: (( والله ما أملك غير هذا الكيس، فارفعه لي عندك! ) )، #93# فقال: (( وأين بيتك بالفسطاط؟ ) )، فقلت: (( في دور عباس بن وليد ) )، فقال: (( ما اسمك؟ ) )، قلت: (( محمد الغوري ) )، قال: (( امض لشأنك ) ). وجاء منهم من قلع ثيابي وسراويلي، وانصرفوا عنا. ولم أزد أن سوغت واحدًا منهم جميع ما كان معي، ودخلنا إلى الفسطاط ونحن فقراء. فرجع كل واحد منهم إلى ما تخلف له، وبقيت ليس معي درهم أنفقه.

(( وإني لجالس على درجة المسجد بين المغرب وعشاء الآخرة، حتى رأيت رجلًا قد وقف بي، فقال لي: (( هاهنا منزل محمد الغوري؟ ) )، قلت: (( أنا هو! ) )، ولا والله! ما اهتديت إلى الرجل الذي أعطيته المال، لأنه كان عندي أول مالٍ ذاهبٍ، فقال لي: (( عنيتني! ) )، وأخرج الكيس فدفعه إلي، فردت علي جدتي وتطعمت الحياة.

وكان بالقرب منا قائد يعرف بابن قرا، كنت معاملًا له وكان له محلٌّ، فسألت اللص المبيت عندي ففعل. فأصبحت وصرت إلى ابن قرا وقصصت عليه قصة الرجل، فقال لي: (( الطف لي فيه، فوالله لأنوهن باسمه، ولأكافئنه عنك ) ). فرجعت إليه فأخبرته، فوالله ما ارتاع ولا اضطرب، ومضى معي؛ فأحسن تلقيه، وخلع عليه، وصيره سيارةً لعمله، وضم إليه عدة وافرة. ولم يزل في حيزه إلى أن توفي )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت