أن (( نقفور الملك ) )-لما تأدى إليه الخبر بوفاة الرشيد- جعل ذلك اليوم عيدًا للروم، ثم جعل عيدًا أعظم منه في اليوم الذي تأدى إليه وقوع الشر بين محمد الأمين والمأمون، ثم عيد عيدًا ثالثًا في الوقت الذي بلغه خروج أبي السرايا، ثم خرج إلى البرجان ليحاربهم فقتل.
فسأل بطارقة الروم بطريقهم اختيار رجلٍ ليقلد مملكتهم، فاتفق معهم على رجل من أبناء العرب يقال له (( اليون ) )فملكوه -وكان ذا نكاية- فدفع عنهم وقدة البرجان. وقوي اليون على ضبط المملكة، وكانت الروم في أيامه أعز منها في أيام نقفور، إلا أنهم أنكروا عليه بسط اليد بالهبات، والعفو عن أسرى المسلمين. ثم اجتمعت البطارقة الاثنا عشر في مجلس على نبيذٍ لهم، فتذاكروا أمره، واستشنعوا فعله، وكان أغلظهم كدحًا عليه ميخائيل البطريق الذي ملكهم، وملكتهم امرأةٌ بعده، فبلغ اجتماعهم وما قالوا اليون، فوجه في يوم سبتٍ إلى ميخائيل فأحضره، ثم دعا بتليسٍ من شعر بطول ميخائيل، فأدخل رجلاه في قرارة التليس، ثم أمر بالتليس فرفع وأقيم ميخائيل، فبلغ رأس التليس إلى رأسه. ثم أمر أن يحشى رملًا فحشي، فبلغ الرمل فم التليس ثم أمر فخيط #79# بشعر جمة ميخائيل، ودعا الطباخين فأمرهم أن يعدوا له طعامًا كثيرًا مثل ما يعد في الأعياد، ثم قال للبطارقة -وميخائيل بين يديه على تلك الحال-: (( إذا نحن تقربنا في غدٍ، ألقيت ميخائيل في البحر، ثم تغدينا وجعلناه يوم سرور! ) ).
قال بطرس: فاجتمع البطارقة بعد انصرافهم من عنده وقالوا: (( هذا العربي قد امتدت يده إلى ميخائيل، ونخاف أن يجترئ على كافتنا ) )، فأجمعوا على الاشتمال على سيوفهم، والدخول إليه وقتله، ففعلوا ذلك. ثم جلسوا للمشاورة فيمن ينصب بمكانه، واستشرف كل واحد منهم إلى أن يكون ملكًا، فقال أحدهم لسائر الجماعة: (( الصواب أن تملكوا ميخائيل؛ فإنه يرى أنكم أنعمتم عليه بالحياة ) ). فاستشرفوا إلى ذلك؛ ورأوا موضع السداد منه، فأخرجوه من التليس وغسلوه، وأحضروا البطريق وثياب الملك فألبسوه إياها، وأعلموه أن اليون قد قتل، وملكوه عليهم.
ثم صاروا إلى مجلس المملكة والموائد منصوبةٌ، فقالوا له: (( تغد أيها الملك بالطعام الذي دبر اليون أن يأكله بعد قتلك! ) )، فقال ميخائيل: (( عارٌ بالملك أن يطعم طعامًا وفي عنقه يدٌ لإنسانٍ من أوليائه ورعيته، قبل أن يكافئه عنها، وقد أحييتموني بعد موتي، ولست أطعم طعامًا حتى يخبرني كل إنسان منكم بجميع حوائجه في مدة عمره ) ). فقال كل واحد منهم ما تناهى إليه أمله، مما يصل ميخائيل الملك إليه. فقضى جميع حوائجهم، وسألوه الأكل فقال: (( قد فرغنا مما يجب لكم، وبقي [ما] لله وللملك اليون، ولا يحسن بي أن آكل حتى أفعل ما يجب لهما ) )، ثم قال للبطريق: (( ما جزاء من منع ملكًا عليه من شم النسيم وروح الحياة؟ ) )، قال البطريق: يمنع النسيم وروح الحياة )) ، فقال لهم: (( قد حكم عيكم البطريق بما لا يجوز خلافه! ) ). وأمر بضرب أعناقهم وابتدأ بطعامه.