(( ما اشتهيت من مراتب السلطان إلا مرتبةً رأيت أبا يوسف بلغها في عشيةٍ من العشايا. كنت اجتزت به مسلمًا عليه، فقال لي: (( تقيم عندي العشية لنتناظر في طائفة من العلم؟ ) ). فإني لجالسٌ عنده -وقد ابتدأ فيما أثرناه- حتى وافى إليه رسول أمير المؤمنين الرشيد، فقال لي: (( انتظرني ) )، ومضى؟ فغاب عني مقدار ساعتين، ورجع، وخلفه غلمان يحملون مالًا، فوضعوه بين يديه وانصرفوا فقال: (( دفعت الليلة إلى عجائب! ) )، قلت: (( ما هي؟ ) )، قال: (( دخلت إلى دار أمير #53# المؤمنين، فانتهى بي رسوله إلى ستر مسبلٍ على بابٍ، مسرورٌ الكبير يمسكه، فقال لي: (( سلم على أمير المؤمنين! ) )، فسلمت، فقال: (( وعليك [السلام] يا يعقوب! ادخل وحدك ) )، فرفع الستر حتى دخلت، فألفيت عنده محمد بن جعفر بن المنصور -مولى الجارية المعروفة ببذلٍ- ووجه كل واحد منهما محولٌ عن صاحبه، وبين يدي الرشيد سيفٌ مشهور.
فقال لي: (( يا يعقوب! هذا الرجل يديرني مذ الظهر على قتله! ) )، فقال له: (( ترضى به حكمًا بيننا؟ ) )، قال: (( نعم! ) )، قال: (( ألق هذا السيف من يدك، وارض بالحق لك وعليك ) ). واستدارا جميعًا حتى جلسا مجلس الخصوم بين يدي.
ثم قال الرجل: (( سألني أمير المؤمنين أن أبيعه جاريةً علي فيها أيمان محرجة لا كفارة لها، ألا أبيعها ولا أهبها ) )، قال فقلت له: (( فتسمح بها لأمير المؤمنين إن أخرجتك من يمينك ) )، قال: (( إي والله! وإن ذلك لسهلٌ علي ) )، فقلت: (( هب لي نصفها، وبعه نصفها ) ). فقال: (( قد أجبت، وجعلت ثمن النصف هديةً لك ) ). وتعانقا جميعًا، وانصرفت إليك، ولحقني هذا المال )) . فوجدنا المال المحمول خمسة وعشرين ألفًا، فقلت في نفسي: (( أحيا نفسًا، وأصلح بين خليفةٍ وابن عمه في مقدار ساعتين من النهار! ) ).
قال بشر: (( فوالله ما فرغنا من صلاة المغرب حتى ابتدرنا الغلمان يحملون مالًا وبزًّا وطيبًا، ومعهم جارية حصيفةٌ، فقالت: (( تقرأ عليك السلام سيدتي وتقول لك: (( أجازني سيدي أمير المؤمنين بما حملته إليك، فجعلته ثواب الفتيا التي كانت سبب وصولي إليه ) ).
فكان المال منه خمسة وعشرين ألفًا )) .