الصفحة 13 من 66

يتعدى الفعل (عَرَفَ) بنفسه، فيقال: عرَفت الشيء وعرَفت زيدًا، ويتعدى إلى مفعولين بالتضعيف، فتقول: عرّفت محمدًا الشيءَ، أي جعلته يعرف الشيءَ، وعرّفت محمدًا زيدًا أي جعلته يعرف زيدًا، ويتعدى الفعل (عرّف) بحرف الجر (الباء) ؛ فيقال: عرّفت المولود بزيد أي سميته بزيد؛ إذ جعلت له اسمًا يعرف به.

فلمّا كان أمر الفعل على ما ذكرتُ لك ذهب بعض الناس إلى أنّ الأولى عند الترجمة للشاعر أو المؤلف أن نقول: (تعريف الشاعر) وندع (التعريف بالشاعر) -وهو ما اشتهر عند معاصرينا- وذلك لتعدي الفعل بنفسه، وفي هذا نظر لجملة أمور، أولها أن قولنا (تعريف الشاعر) قد يعني جعله يعرف أمرًا، وقد يعني جعل الناس يعرفونه، وهو المراد هنا، فاستخدام الباء يدفع اللبس؛ لأن التعدية التي يفيدها تضعيف الفعل- بدلالته على الجعل- لا يمكن أن تكون بباء التعدية التي يفيدها الفعل المجرد؛ فالتعريف بالشاعر يعني: تعريف الناس بالشاعر، و (الناس) مفعول مباشر، وأما (الشاعر) فمفعول غير مباشر؛ فساغ التعدي إليه بحرف. والثاني: أن ما اشتهر من استخدام لفظ (التعريف) إنما هو بمعنى (الحد) . والثالث: أن الفعل (عرف) مرادف للفعل (علم) ، والفعل يُحمل على مرادفه في التعدي واللزوم، والفعل علم يتعدى بالباء قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [14 - العلق] . والرابع: أن من الأفعال ما يتعدى بنفسه مجردًا فإذا زيد تعدى بنفسه وبحرف الجر مثل الفعل (غفر) ، تقول: غفر الله ذنبَه، واستغفر زيدٌ اللهَ من ذنبه، والأصل: استغفر زيدٌ اللهَ ذنبَه. والخامس: أن تعدي الفعل بنفسه لا يمنع تعديه بحرف إن جدّ من حاجات الإبلاغ ما يستدعي ذلك، فيضمن الفعل غيره. وهذا مراد الناس من التعريف بالشاعر. إذ لا يقصدون أن يعرّفوا القارئَ الشاعرَ؛ إذ يكون ذلك بذكر اسمه، بل المقصود الإحاطة بأخباره. والسادس: أن معنى الباء الإلصاق أو الإلزاق نحو: مررت بالديار. وهو استخدام يسوغ معه حذف الباء والتعدي مباشرة فيقال: مررت بالديار. ولست أجد بأسًا في أن تكون الباء مع عرّف للإلصاق؛ فالتعريف بالشاعر هو ربط لمعرفة الناس بالشاعر. والسابع: أن صاحب المصباح المنير أورد الفعل معدًى بالباء، قال:"والمعرفة اسم منه، ويتعدى بالتفصيل، فيقال: عرّفته به فعرفه" [1] ، وكذا في أقرب الموارد"عرّفه بفلان: أعلمه باسمه"، وفي معجم الأفعال المتعدية بحرف:"عرّف بزيد: أوضحه بعلامة أو غيرها مما يجعله عارفًا به" [2] . وفي معجم الأخطاء الشائعة:"والصواب: تعريف الأدب العربي أو التعريف بالأدب العربي؛ لأننا يجوز أن نقول: عرّفه الشيء، وعرّفه بالشيء" [3] . والثامن: أن هذا وقع في لغة المجيدين من أساتذتنا كالدكتور محمد المفدى قال في

(1) أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، عناية: مصطفى السقا (مصطفى البابي الحلبي/ القاهرة،1950 م) : عرف.

(2) موسى بن محمد بن الملياني الأحمدي، معجم الأفعال المتعدية بحرف (ط 1،دار العلم للملايين/ بيروت،1979 م) :عرف.

(3) محمد العدناني، معجم الأخطاء الشائعة، (عرف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت