الصفحة 99 من 334

مثلها مثل الدليل الحسى سواء بسواء. ولنتدبر في هذا الصدد قول الله تعالى:"كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ {3} ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ {4} كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ {5} لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ {6} ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [1] .فعند اليقين تغدو الحقيقة غير قابلة للشك فيها. ويصير الرد الوحيد الممكن على من يواصل الشك فيها، هو: هذا شأنك، وعليك بنفسك."

فاليقين هو بلوغ الحقيقة، درجة الثبوت على نحو دامغ. والإيمان، بالتالى،"اعتراف"محرر تماما من أية ظلال لشكوك الاحتمالية والتخمين واللايقين. هو بتعبير آخر ليس عملا، ولا قرارا من جانب صاحبه بقبول، أو بوضع ثقته في أمر لم تعرف صحته، ولا هو بمراهنة من جانب صاحبه على ربط مصيره ببديل أو بآخر. الإيمان هو شئ ما يحدث للإنسان حينما تواجهه حقيقة واقع شئ ما، وتقنعه بصحتها التى لا ريب فيها. وهو من طبيعة مشابهة للإستنتاج الهندسى الذى يسلم الإنسان انطلاقا من مقدماته المنطقية بصحته وحتميته. أو هو كما يصوره القرآن، بمثابة إبراز لشئ ما كان مشكوكا في وجوده، ووضعه أمام المشاهدين ليرونه جميعا ويلمسونه. [2]

وعلى العكس من الإيمان المسيحى، فإن الإيمان الإسلامى هو حقيقة يصل العقل إلى اليقين بها، وليس تسليما بلا تمحيص يعتمد على سذاجته وقابليته لسرعة التصديق. فحقائق الإيمان وأخباره في الإسلام

(1) التكاثر:3 - 7.

(2) الإيمان الإسلامى مغاير بكل قوة لإيمان بسكال. فالأخير يروج لصورة للإيمان تجعله بمثابة مراهنة، يراهن في ظلها الفرد على نتيجة لا يمكن بحكم التعريف معرفتها. ولا يمكن للإنسان وفق تصور بسكال هذا أن يكون على قناعة يقينية بوجود الله، ولا بأوامره، ولا باليوم الآخر والحساب. وفى المقابل، قبل الإسلام تحدى البرهنة على يقينية ذلك. ومن هنا استخدم المسلمون الحجج بكل أشكالها، الموصلة لمثل ذلك اليقين العقلانى. وجاء القرآن الكريم بالحجج المؤدية إلى ذلك، من الخلق والتغيير، ومن تصميم الكون وغايته، ومن الوعى الأخلاقى، وصاغها في أبلغ صيغة وأحسنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت