الفصل الثانى عشر
التوحيد: مبدأ النظام العالمى
أولا: الأخوة العالمية: بما أن الله واحد أحد لاشريك له، فإن أوامره تسرى على كل البشر. وعمومية تلك الأوامر وعالميتها تنطبق على البشر بوصفين: من جهة، بصفتهم فاعلين مكلفين بتحقيق الأوامر التكليفية. ومن جهة، بوصفهم موضوعا لها، تتحقق فيهم أوامر الله تعالى التكوينية. وأقام البشر رباطتهم قبل الإسلام على العرق أو الثقافة، أو عليهما معا. أما الإسلام فجاء برابطة جديدة بين البشر هى: الأمة.
والأمة كما تبين لنا آنفا، هى إجماع ثلاثى للرؤية والإرادة والعمل، ينتظر أن يشترك فيه المسلمون وحدهم. وتتطلب العالمية المتضمنة في التوحيد رابطة جديدة بين البشر. وينتظر الإسلام من غير المسلمين أن يحاكوا، الأمة الإسلامية التى هى مجتمع جديد مبنى على الدين، وليس على القبيلة أو العرق، بمعنى أن يسموا على الرابطة العرقية والقبلية، ويعيدوا تنظيم أنفسهم هم أيضا على أساس الدين.
وليس الدين منظورا انكفائيا، ولا هو بالرابطة الإنسانية المبنية على مبدأ حصرى آسن و مغرض، كما تزعم الدعاية الغربية الحديثة. فلا يزال الدين هو الجانب الأهم في الحياة الإنسانية على الأرض. ويقدم الدين أسمى تعريف ممكن لمفهوم الإنسان. والمسؤول الوحيد عن السمعة الرديئة للدين في الغرب، هو الصراع المرير الطويل الأمد، الذى خاضته الشعوب الغربية ضد الكنيسة المسيحية [1] . ولما كان الولاء للأمير والتمركز حول العرق والقومية هما رائدا القوى التى قادت النضال ضد الكنيسة، فإن تلك القوة تنصلت من اعتبار الدين أساسا للرابطة وللمجتمع العالمى، وأدانته من جراء ربطها بينه وبين الكنيسة [2] . وهذا هو السبب
(1) مرد ذلك إلى حد بعيد هو الفساد الذى أصاب الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، التى تحكم أساقفتها في رعايهم الأوربيين، وانتزعوا ثرواتهم من هم وأكلوها بالباطل، وانغمسوا في إنفاقها على ملذاتهم، وعلى إعادة تشييد روما وتجميلها.