الصفحة 303 من 334

فى عودة العقل الغربى في عهد التنوير إلى مثالية المجتمع العالمى، حيث لم يتحول عن المثل الأعلى لذات الكنيسة، ولكنه بدل أن يقيمه على الإيمان الشخصى، أقامه على العقل. ومرة أخرى، تنصل الغرب من هذا المثال المبنى على العقل، نتيجة عدم مثابرة الغرب في الدفاع عنه في مواجهة زحف الإمبريالية القومية التى نبعت من رحم فرنسا الثورية.

وجاء الإسلام بمسعى إلى إعادة تنظيم العالم على أساس من رؤية الإنسان للحقيقة الواقعة، وللمثل الأعلى الذى ارتضاه لنفسه ولعشيرته ولذريته، ورؤيته للمصير النهائى لنفسه كفرد وللجنس البشرى برمته. ويضم الدين كل تلك الرؤى تحت مظلته. ولا يحرم الإسلام غير المسلمين من شرف، اتخاذ كل أصحاب دين منهم، من دينهم ناظما لحياتهم، أسوة بالمسلمين. وعلى العكس من ذلك، فإن الإسلام يصر على أن يتمتع غير المسلمين بشرف تحديد هويتهم بدينهم، ويرفض الاعتراف بهم كأمة وكرابطة على أى أساس آخر. ومن أهم مصادر الفخار للإسلام أنه يعتبر غير المسلمين منافسين للمسلمين في أهم قضايا الحياة على هذه الأرض، ولا يعترف بهم إلا كجماعات متشكلة حول الرؤية الكلية المتعلقة بتلك القضايا الكبرى [1] .

وتجدر الإشارة إلى أن النبى صلى الله عليه وسلم نظم المسلمين في العهد المكى في جماعة رابطها هو الدين. وبعد الهجرة، ربط النبى بين الأوس والخزرج بالمدينة تحت مسمى: الأنصار، وآخى بين الأنصار وبين القرشيين، الذين أذن لهم بالهجرة من مكة إلى المدينة. وعلاوة على ذلك، وحد النبى بين الحر والعبد، وبين السادة ومواليهم، وجعلهم جميعا

(1) هذا هو مغزى مسمى: الذمى في الشريعة الإسلامية. فالإسلام يعرف البشر بهويتهم الدينية. ومن هنا يصنف الإسلام غير المسلمين كأعضاء في الجماعة الدينية التى ينتمى إليها كل منهم. وتشكل كل جماعة من تلك الجماعات كيانا مشتركا له شخصية قانونية معنوية كاملة، معترف بها في الشريعة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت