الصفحة 304 من 334

سواسية، في مجتمعٍ، الكلمة العليا فيه لشرع الله تعالى. ونصب النبى نفسه رائدا سياسيا وحاكما على هذا المجتمع.

وسن النبى بمجرد وصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في يوليو 622 ميلادية، عهد المدينة كأساس لرابطة جامعة مفتوحة أمام كل من المسلمين واليهود، لينظم كل منهم حياته وفقا له. وكان هذا العهد دستورا للدولة الإسلامية، وللنظام العالمى الذى يسعى الإسلام إلى إقامته للجنس البشرى. ومثل واجب نشر هذا الدستور بداية مسيرة الدولة الإسلامية، والإسلام، في معترك المنافسة في ساحة التاريخ العالمى. وبهذا الاعتبار اختار الخليفة عمر بن الخطاب التأريخ للإسلام بحادث الهجرة، وجعله بداية التاريخ الإسلامى [1] .

وكان هذا الدستور ميثاقا نشأت بموجبه الدولة الإسلامية الجامعة بين النبى والمسلمين واليهود ومواليهم من قبيلتى الأوس والخزرج. وصدر هذا الدستور باسم الله تعالى، وهو الضامن له. وأهدر هذا الميثاق، في المقام الأول، بناء الرابطة بين البشر على أساس الإنتماء القبلى، وتحديد حقوق الإنسان وواجباته على أساس ولائه لقبيلته. وأحل هذا الميثاق الدين محل القبيلة كمبدأ أول ناظم للعمران، ووحد تحت مظلته أناسا من قبائل وأعراق ووضعيات اجتماعية مختلفة. ومن تلك اللحظة التاريخية، أصبح المسلمون أعضاء في أمة عضوية مفتوحة، ناظم آصرتها الاجتماعية هو الدين. يقول الله تعالى:"إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ {92} وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ" [2] . وإلى جانب تلك الأمة المسلمة، تقف أمة أخرى هى: أمة اليهود. وهم، مثل المسلمين،

(1) صك الإسلام بهذا الصنيع سبقا جديدا. فبه خالف كل الأديان السابقة التى اتخذت من مولد مؤسسها، أو من وفاته، بداية لتاريخها. واختيار الإسلام للتقويم الهجرى مغاير أيضا وبذات الدرجة للحالة اليهودية، التى تحدد تاريخا تحكميا لا دليل عليه لبدء الخليقة، وتقيس الزمن كله بدءا منه.

(2) الأنبياء:92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت