مدعون إلى أن ينظموا أنفسهم في كيان عضوى واحد، بصرف النظر عن تعدد انتماءاتهم القبلية، ولأن تحكم أمتهم بالشريعة اليهودية (التوراة) ، ولأن تنظم أمتهم تلك حياة أعضائها وفق مبادئ الديانة اليهودية كما يفسرها حاخامتهم. وآلت الدولة الإسلامية على نفسها أن تحمى الأمة اليهودية، وتنفذ قرارات هيئتها الحاخامية المتصلة بها، وتوفر لها الحرية والسلام والمناخ المناسب والضرورى لازدهارها ونموها.
وبعد ست سنوات من سريان هذا الميثاق، التقى وفد من نصارى نجران بالنبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة لبحث العلاقات بينهم وبين الدولة الإسلامية. وأحسن النبى وفادتهم، ودعاهم إلى الإسلام. ومنهم من استجاب، ومنهم من بقى على مسيحيته. فأما من دخل منهم في الإسلام، فانخرط في سلك الأمة الإسلامية. وأما من اختاروا البقاء على مسيحيتهم، فنظمهم الرسول في أمة أخرى أسوة باليهود، لهم ما للمسلمين من حقوق وعليهم ما عليهم من واجبات.
ومد الخلفاء الذين تولوا أمر الأمة بعد النبى، تلك الوضعية، إلى الزرادشتيين والهندوس والبوذيين. ومع الفتوح الإسلامية غصت صفوف الأمة الإسلامية بمسلمين جدد من شتى الشعوب والأعراق، جنبا إلى جنب، مع أتباع أديان أخرى من اليهود والمسيحيين وغيرهم من الأمم. وعلى ذات النهج سارت تلك الدولة الإسلامية، ونظمت رعاياها من غير المسلمين في أمم، ضمن نسيجها مع إعادة تأهيلهم كمواطنين في النظام الجديد. ولأمد طويل، بعد الفتوح الإسلامية الأولى، في القرن الهجرى الأول، كانت الأغلبية العظمى من مواطنى الدولة الإسلامية من غير المسلمين. وكرست الدولة جانبا كبيرا من طاقاتها وإمكانياتها، لرعاية أمن مواطنيها غير المسلمين وتأمين مستقبلهم ورفاههم ومؤسساتهم.