فلم تكن الدولة الإسلامية، دولة على شاكلة الدولة القومية السائدة في عالم اليوم. فشعبها لم يكن كلا متجانسا، أو وحدة مندمجة برابط قومى، أو مجتمع يستمد مبرر وجوده من الدفاع عن نفسه، ومن خدمة مصلحته الخاصة، ويعتبر نفسه معيارا لكل شئ، بل كانت مركزا قويا معززا بقوة دفاع وأمة من المسلمين، إلى جانب روابط لطوائف دينية مستقلة ذاتيا، لكل منها مؤسساته الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية الخاصة به. وتنتظم كل تلك المؤسسات تحت مظلة الدولة الإسلامية التى تتمتع بالسلطة التنفيذية، دون السلطة التشريعية. فالتشريع الذى تخضع له تلك الدولة ربانى المصدر. ومبرر وجود تلك الدولة هو تنفيذ الأوامر الإلهية التكليفية. ورسالتها في الأرض، هى بسط سلطانها عليها، لريادة البشرية جمعاء على الطريق إلى تنفيذ الإرادة الإلهية، وطاعته وعبادته.
فالله تعالى جعل البشر قبائل وأمما وشعوبا من أجل أن يتعارفوا ويتعاونوا فيما بينهم. يقول الله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [1] . فالسيادة في الدولة الإسلامية للشريعة. والدولة، بكل مؤسساتها مجرد منفذ للقوانين المستقاة من الشريعة. والدولة مكلفة بموجب تلك الشريعة الربانية بمهمة السعى إلى تحويل العالم بما فيه الجنس البشرى ذاته، إلى وضعية تحاكى النموذج، أو الأوامر التكليفية التى أوحى الله بها في القرآن الكريم.
ومعنى ذلك، أن الدولة الإسلامية ليست مكلفة بأن تضم طوائف مسيحية ويهودية، وطوائف أخرى كوحدات تأسيسية في بنيتها فحسب، بل بأن تضم الجنس البشرى كله. ومن هنا كان من الضرورى أن تتسع بنيتها
(1) الحجراتك13.