الصفحة 100 من 334

ليست أسرارا، ولا ألغازا غير منطقية، ولا سبيل إلى معرفتها. بل هى حقائق أو أخبار عقلية ونقدية، جرى إخضاعها للشك، وخرج المؤمن بها من اختبارها وتمحيصها باليقين في صحتها. ولم تعد بحاجة إلى مزيد من الأدلة على صحتها. فكل من يسلم بصحتها عاقل. وكل من يواصل جحدها أو التشكيك فيها غير عاقل. ولا يمكن سحب ذلك التصور على الإيمان المسيحى بحكم تعريفه.

أما بالنسبة للإيمان في المنظور الإسلامى فاليقين وصف ضرورى له. وهذا هومقتضى وصف الله تعالى حقيقة الإسلام، بقوله:"وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، وكذا بقوله سبحانه:" {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [1] . وتتمثل عقلانية الإسلام في احتكامه إلى غاية ما لدى العقل الإنسانى من قدرة نقدية. ولا يخشى الإسلام من الدليل المضاد، ولا يقبل التاسيس على أسرار، ولا يقيم دعواه على مشاعر باطنية، أوعلى شكوك أولا يقين جوانى ما، أو على أمانى أورغبة في أن تكون الحقائق على غير ما هى عليه في الواقع. فدعوى الإسلام عامة وعلنية، تخاطب العقل، وتسعى إلى إقناعه بالحقيقة، وليس إلى قهره بما هو فوق قدرته على الفهم. [2]

(1) الإسراء:81، البقرة: 256.

(2) قارن عقلانية الإسلام هذه وإصراره على تقديم براهين واضحة ومحددة، وإعجابه بالمعرفة والحكمة وإثرائه لهما، وحضه على طلب العلم، وعلى اكتشاف سنن الله تعالى في كل المخلوقات، في الطبيعة، وفى السماء، وفى النفس البشرية، مع وصف بولس للإيمان في المسيحية بقوله في الإصحاح الأول من رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس:"17لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُرْسِلْنِي لأُعَمِّدَ بَلْ لأُبَشِّرَ، لاَ بِحِكْمَةِ كَلاَمٍ لِئَلاَّ يَتَعَطَّلَ صَلِيبُ الْمَسِيحِ. 18فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ، 19لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ» . 20أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟ 21لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ. ونقرأ أيضا في رسالته إلى أهل فيلبى الإصحاح الرابع:7: وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت