الصفحة 101 من 334

2 -الإيمان الإسلامى مقولة معرفية: خلاصة ما سبق، أن الإيمان ليس مجرد مقولة أخلاقية، بل هو في الحقيقة، وفى المقام الأول، مقولة معرفية. هو بتعبير آخر، مفهوم مرتبط بالمعرفة وبصحة الأخبار التى يتأسس عليها. ولما كانت طبيعة محتواه الخبرى مماثلة لطبيعة المبدأ الأول للمنطق والمعرفة، ولما وراء الطبيعة، والأخلاق والجماليات، فإن فعله في المتعرض له يشبه فعل النور الذى يضئ له كل شئ.

والإيمان كما وصفه أبو حامد الغزالى، كشف يضع كل ما عداه من المعطيات والحقائق في الوضع المناسب والمطلوب لفهمها على الوجه الصحيح [1] . فالإيمان هو أساس التفسير العقلانى للوجود. وهو المبدأ الأول للعقل، ولا يمكن أن يكون غير منطقى أو لاعقلانى، وإلا كان متناقضا مع نفسه. فالإيمان هو - بحق - المبدأ الأول للعقلانية. ومن شأن إنكاره أو معارضته الانحطاط عن مستوى صوابية التفكير، وبالتالى عن مستوى الإنسانية.

ولباب التوحيد بوصفه مبدأ المعرفة، هو الإقرار بأن الله تعالى هو الحق، وأنه واحد أحد لا شريك له. ويستبطن هذا الإقرار وجوب رد أمر البت في كل خلاف، وفى كل شك، إليه سبحانه وتعالى، وبأنه لا

(1) يقول الغزالى في هذا الصدد، أن الإيمان لا يناقض دليل العقل، ولاينفيه، بل يؤكده. ويضيف:"بحثت عن دواء لشكى فلم أجده ممكنا إلا بالدليل العقلى. إلا أن أى دليل لا يصمد إلا إذا كان قائما على العلوم الأولية (ما وراء الطبيعة) .وبما أن أسس هذه العلوم غير يقينية، فإن كل ما يبنى عليها غير يقينى بالمثل. ولكن فيما بعد (مع الإيمان، أو بالإيمان) باتت كل الأسس العقلية (للعلم وماوراء الطبيعة) آمنة وصحيحة ومقبولة بالعقل ومعززة تماما بمرتكزاتها في المعرفة. أبو حامد الغزالى، المنقذ من الضلال، دمشق: مطبعة الجامعة 1336/ 1956، ص 62 - 63."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت