دعوى تستعصى على المعايرة والبت القاطع فيها. فاتوحيد إقرار بأن الحقيقة قابلة لأن تعرف، وأن بوسع الإنسان أن يصل إليها.
والنزعة الشكوكية المنكرة لتلك الحقيقة هى نقيض التوحيد. ومنبعها هو التقاعس عن متابعة البحث عن الحقيقة إلى منتهاه، والتسليم المتعجل بعدم إمكانية معرفة الحقيقة. وهذه الشكوكية، كمبدأ معرفى، داعية إلى اليأس، ومبنية على افتراض مسبق مفاده أن الإنسان يعيش في حلم أبدى لا يمكن في ظله أبدا تمييز الحق من الباطل، وغير قابلة للإنفصال عن العدمية ونفى القيم. ذلك أن إدراك القيم يقتضى التسليم بإمكانية توصل الإنسان لحقيقتها. ولا مجال للتثبت من صحة أية دعوى قيمية دون الإجابة على تساؤلات من قبيل: هل ما يدعى أنه قيمة هو قيمة بحق؟ هل تلك القيمة متحققة أم منتهكة في حالة بعينها؟ وهل تلك الحالة المعينة موصوفة على ما هى عليه في واقعها الحقيقى؟. وما لم يكن بالإمكان التوصل إلى إجابات يقينية على تلك الأسئلة، بمعنى: معرفة حقيقتها، فإن معرفة القيمة تنهار. فقيمة القيمة، واستحضارها في موقف بعينه، قد يكونان محلا للشك شأن أى معطيات أخرى. ومن هنا، فإنه ما لم يبدأ المرء بافتراض مضاد للشكوكية، أى بافتراض إمكانية التوصل إلى الحقيقة رغم تلك الملابسات، فإن العدمية تصير أمرا حتميا.
3 -وحدانية الله، ووحدة الحق: الإقرار بوحدانية الله بمثابة إقرار بالحق وبوحدته. فوحدانية الله ووحدة الحقيقة أمران متلازمان، لكونهما وجهين لحقيقة واحدة. ويتضح لنا ذلك حينما نأخذ في اعتبارنا أن الصدق هو خاصية خبر التوحيد، أى أن الله تعالى واحد لا شريك له. ذلك أنه لو لم تكن الحقيقة واحدة، لكان من الممكن أن يكون القول بأن الله واحد صحيحا، والقول بألوهية شئ آخر أو قوة أخرى صحيحا هو الآخر. ومن هنا فإن القول بأن الحقيقة واحدة لا يتضمن تأكيد أن الله واحد فحسب، بل يحقق