الصفحة 91 من 334

من التعبيرات التى وصف القرآن بها الغاية من هذا الوجود في جملته، لا يمكن أن يكون له غير معنى واحد هو تحويل معطيات الخليقة من رجال ونساء، ومن مدن وبلدان. ولنقرأ في هذا المقام قول الله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [1] .وفى معرض تحديد المكذبين بالدين، نقرأ قول الله تعالى:"أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ {1} فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ {2} وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ {3} فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ {4} الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ {5} الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ {6} وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ {7} [2] ."

ومن الواضح أن ملء هذا العالم بفضائه المكانى والزمانى بالقيمة، بل حتى بالقيمة المادية للطعام، ليس جزءا مهما من الدين فحسب، بل هو جماع وظيفة الدين ذاتها. ولهذا السبب، فإن أمور الآخرة في الإسلام مختلفة تماما عن نظيرتها في اليهودية والمسيحية.

ففى اليهودية تمثل"مملكة الرب"بديلا لوضعية العبرى في الشتات. إنها مملكة داود كما تصورها بحنين إلى الماضى من فقدوها، ومن يقفون حاليا في أدنى دركات العبودية والمسكنة. أما بالنسبة للمسيحية فإن محط اهتمامها في هذا الصدد انصب على مناهضة تمركز اليهود حول أنفسهم المتسم بالعرقية والمادية المظهرية والخلود إلى الأرض. ومن هنا كان من الضرورى بالنسبة للمسيحية أن تضفى طابعا روحيا على مملكة داود، وأن تنأى بها عن التحقق في هذه الحياة الدنيا بمكانها وزمانها. وكان هذا التوجه موجودا بالفعل في اليهودية المتأخرة. وطورته المسيحية بدرجة أكبر بتعميمه كسبيل لخلاص الجنس البشرى، وتطهيره من الخلود إلى الأرض. وفى كلتا الحالتين، صارت"مملكة الرب"عالما آخر. أما هذه الدنيا فغدت مسرحا مؤقتا لقيصر والشيطان و الجسد. وهى كما نقرأ في الإنجيل:"لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض، حيث يفسد"

(1) هود:61.

(2) الماعون:1 - 7. والملاحظ أن مفهوم الدين أشمل من مفهوم الرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت