السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون، بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون، لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضا" [1] ."
أما عن التصور الإسلامى للحياة الآخرة فلم يتشكل عبر التاريخ، بل ولد كاملا في القرآن، ولا علاقة بينه وبين وضعية أتباعه كما هو الحال في اليهودية والمسيحية ... . فلقد نظر إليه على أنه ذروة أخلاقية للحياة على هذه الأرض، متشكلة من منظومة من الثواب والعقاب. [2] فلا موضع في هذاالتصور لمقولة إعادة هذا العالم، لما كان عليه، بحظوظ ومقادير لبنى الإنسان، مغايرة لأحوالهم البائسة الراهنة. فهذا العالم الدنيوى هو المملكة الوحيدة والفضاء المكانى والزمانى الوحيد. وكل ما ينبغى أن يكون، يجب أن يحدث ويمكن أن يحدث، عبر خلافة الإنسان. وبمجرد أن يصل هذا العالم إلى نهايته، يغدو الحدث الوحيد الممكن هو الفصل النهائى الربانى فيما فعله الإنسان فيه، وتحقق الثواب والعقاب. وتتم هذه العملية على نحو مغاير تماما لعمليات المحاسبة والثواب والعقاب في هذا العالم بمكانه وزمانه الدنيويين. فهو يتم بطريقة متعالية مفارقة، خارج نطاق معرفة البشر باستثناء الوصف المجازى الذى عرفناه بالوحى المنزل.
وتأسيسا على ذلك، تكتسب شؤون هذا العالم الدنيوى، في منظور الإسلام، أهمية بالغة الخطورة والجدية. والتاريخ حيوى بالنسبة للمسلم بنفس درجة حيويته بالنسبة للشيوعى، باستثناء أن المسلم يعلم أنه
(1) انجيل متى، الإصحاح السادس: 19 - 21. .
(2) المتصفح للقرأن الكريم، يجد أنه لا تخلو صفحة منه من ترغيب بوعد في حسن الثواب في الحياة الدنيا أو في الآخرة على حسن السلوك والعمل الصالح، أو على عنصر ترهيب بالوعيد بالعقاب والضنك والمعاناة من جراء سوء السلوك والعمل السئ. وهذا التقليد الأخلاقى قديم قدم وجود الإنسان على الأرض. وكل ما في الأمر أن الإسلام وصف سيناريوهاته بدرجة غير مسبوقة في الحيوية والجاذبية.