فلنتدبر ثلة من الشواهد القرآنية في هذا المقام. يقول الله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} ، ويقول:" {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة، ويقول:" {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} ، ويقول:" {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [1] . والإسلام بصنيعه هذا يمنع أخلاقيته من أن تصير مرهونة بالعاقبة أو بالمنفعة، مهما كان نبل الدافع إليها."
وترتيبا على ما سلف، يتوقع الإسلام من المسلم الملتزم، أن يتدخل في سير الزمان و المكان. فلا مناص أمام المسلم بعد أن يشهد بعبوديته لله وحده، ويكرس نفسه وحياته وكل طاقاته لعبادته، ويسلم بوجوب تفعيل الإرادة الإلهية في هذه الحياة الدنيا بزمانها ومكانها، من أن يدخل في حومة سوق العمل والتاريخ، ليحدث التحول المرغوب في ساحتهما. وليس بمقدور المسلم أن يعيش حياة الخلوة والرهبنة، إلا على سبيل التمرين على ضبط النفس وتحقيق الانضباط الذاتى. وحتى في هذه الحالة، فإنه إن لم توصله مثل هذه الرياضة إلى غايته بتحقيق نجاح أكبر في تحويل المكان - الزمان، فإنها تعتبر عملا محبطا من قبيل التمركز اللا أخلاقى حول النفس، لأن الهدف منها في تلك الحالة سيكون هو اعتبار التحول الذاتى غاية بحد ذاته، وليس مجرد استعداد لتحويل العالم إلى ما يشبه النموذج الربانى.
ولقد أفاض القرآن الكريم في تبرير هذه الحياة الدنيا، وفى وصفها بأنها الساحة التى على الإنسان أن يقوم بمهمته الكونية في نطاقها. وأكد القرآن الكريم على أن هذا العالم هو المجال الذى يجب السعى لتحقيق المطلق فيه، وأن المكلف بأداء تلك المهمة هو الإنسان. والفلاح، والتسابق في الخيرات، والسعادة بعمل الصالحات، وغيرها
(1) الزمر: 3، البقرة:112، الشعراء:89، ق: 37.