أما المعنى الثانى لشهادة التوحيد، فهو أن الإنسان لا يواجه في هذه الحياة أى مأزق لا يستطيع أن يخلص نفسه منه بنفسه. حقيقة أن طريق الإنسان مملوء بالعقبات، وأن الإنسان عرضة لتضييع نفسه بأنانيته، ولاختيار الطريق الأسهل بالإنغماس في الكسل واللذة واللعب. إلا أن هذا الاحتمال ليس بأكثر واقعية من اختيار الإنسان طريق الجد والإيثار والعمل الأخلاقى. ومن ثم فإن الإنسان لا يحتاج إلى مخلص، ولا إلى مسيح، ولا إلى خلاص. بل كل ما يحتاجه هو تكريس نفسه لرسالته الكونية على الأرض، وقياس قيمة نفسه بقدر إنجازه لها مباشرة.
ومن هنا، فإن الإسلام على العكس من المسيحية، يرى أن النزعة الروحية المتمثلة في تلمس الإرادة الإلهية دون إعمال الإنسان يده في توازنات الواقع الوجودى للخليقة، ودون تجاوز خيوط السببية الطبيعية على كل مستويات الزمان والمكان، ودون عمل سياسى واقتصادى إنسانى، هى مجرد دعوى مظهرية فارغة ومزيفة. فالتوحيد يدعو بنى آدم إلى الفلاح، لا إلى الخلاص، ويعدهم بالثواب في هذه الحياة الدنيا وفى الآخرة بقدر يتناسب مباشرة مع أعمالهم.
أما المعنى الثالث الجديد الذى تعبر عنه شهادة التوحيد على المستوى القيمى، فهو أنه بما أن الخير الواجب التحقيق هو الإرادة الإلهية، وبما أن تلك الإرادة الإلهية واحدة بالنسبة لكل المخلوقات، لكونها متعلقة بالخالق وحده، و يتعين عليهم جميعا الخضوع لها، فإنه لا محل للتمييز بين الأماكن والبشر كموضوع للفعل الأخلاقى. وأكد عيسى عليه السلام، والآباء الرسوليون من بعده على هذا المعنى بما فيه الكفاية. إلا أن أتباعهم من المسيحيين غفلوا عنه بالكلية، مما استدعى إعادة تذكيرهم به. أما اليهودية، في المقابل، فأنكرت هذا المعنى من حيث المبدأ، وعملت ضده بعناد، و دعت إلى نقيضه على الدوام. ومن هنا، فإن القول بعدم التمييز بين نقاط الزمان والمكان بوصفها بؤرا لقوة طرد مركزية للفعل السياسى، وبعدم التمييز بين البشركفاعلين للفعل الأخلاقى، على نحو يجعل الحياة الأخلاقية عالمية ومجتمعية في نفس الوقت، كان بمثابة اكتشاف جديد، غائب عن الممارسة، حينما ولدت الحركة الإسلامية.
ويندرج كل ما سبق، ضمن رصد إسهامات التوحيد الإسلامى، من منظور التقاليد الدينية السامية. أما إن نظرنا للأمر من منظور عالمى أوسع، فإنه يمكن القول بأن الإسلام مثل انفراجة جوهرية أخرجت العالم من حالة الجمود التى كان قد تردى فيها، على النحو الذى اعتاده في توزعه بين الديانتين الهندية والهيلينية. فمن جهة، كانت الديانة