الصفحة 88 من 334

الهندية قد أكدت أن الكون نفسه هو المطلق (البرهما) ، ولكن ليس بشكله المثالى، وإنما في شكل متشئ، و مشخصن، و مخصص، ومدان. وعليه اعتبرت تلك الديانة عملية تشيؤ روح البرهما المطلقة، واكتسابها طابعا ماديا حدثا غير مرغوب. ومن هنا اعتبر الخلاص منها طريقا للهروب في الأمر الدينى / الأخلاقى. ونظرت تلك الديانة إلى عالم الخليقة المتشئ على أنه شر، ... بينما امتدحت مملكة المطلق (البرهما /النيرفانا) ، واعتبرتها النعمة والخير الأسمى.

وفى ظل هذا التصور تغدو عملية تعهد الوجود بالرعاية، عن طريق الإنجاب، وتعبئة الجهود من أجل إنتاج الغذاء، والتعليم، وتحويل الحياة إلى جنة، وصناعة التاريخ، بمثابة شرور بالقطع، لكونها تنشر حالة التشيؤ وتكثفها وتطيل أمدها. ومن الواضح أن النزعة الأخلاقية الوحيدة التى تتناغم مع هذه الرؤية للوجود هى الأخلاقية الفردانية المتنكرة للوجود.

أما الديانة اليانية والنيرفادا فظلتا ملتزمتين بهذه الرؤية الأساسية للأوبنشاد. وقبلت الهندوسية تلك الرؤية لصالح النخبة المحظية. وروجت ديانة شعبية لا يتطلع المنبوذون إلى التخلص من عذابهم في ظلها إلا في الآخرة، بينما يتعين عليهم ان يواصلوا الكدح في المواقع التى حددتها لهم في هذه الحياة الدنيا دون أدنى درجة من المتعة أو الرضا الذاتى عن تحقيقهم الغاية من وجودهم.

وبالمثل، اتخذت البوذية المهايانية من تلك الرؤية أساسا لها، وشكلت رؤيتها الدينية من أخلاقية صينية أرضية بدائية، وسمت مخلصين (أسلاف من البشر جرى تمجيدهم ورفعهم إلى مقام المخلصين) لتخليص البشر من آلام الوجود.

وبتوليفة من عناصر من الديانتين المصرية القديمة والإغريقية، ومن ديانة مثرا الفارسية، ومن أديان الشرق الأدنى الغنوصية، طوقت الديانة الهيلينية الحركة السامية التى جاءت على يد عيسى عليه السلام، والتى تمثلت غايتها في تخليص اليهودية من الإلتزام الحرفى، ومن التمركز حول العرق. وعبر تلك التوليفة جرى الاحتفاظ بالقوم الفكرى المصرى الإغريقى الذى يطابق بين الرب والعالم، ولكن مع تعديله وتمييعه في مبدأ التجسد، الذى صار به الإله إنسانا، وتمكن به الإنسان من ربط نفسه بالألوهية. ومن هنا، فإن الاستياء من قهر الإمبراطورية، والبغض الغنوصى للمادة وللحياة الدنيا، وأمل الخلاص المتضمن في ديانة ميزرا، وفى اليهودية، اجتمعوا معا ليشكلوا حكم المسيحية التاريخية على هذا الوجود بأنه هبوط، وعلى العالم بأنه شر مؤقت، وعلى الدولة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت