ويعبر التوحيد، بعبارته البالغة الإيجاز: لا إله إلا الله، عن معان ثلاثة، على المستوى القيمى، أولها أن: الخليقة هى المادة التى ينبغى تجسيد الإرادة الإلهية المطلقة فيها. و كل مقومات الخليقة كفى الوضع الذى فطرها الله تعالى عليه، خيرة. و الخليقة ليست هى أفضل العوالم الممكنة فحسب، بل إنها كاملة ولا عيب فيها. ويكفينا هنا التدبر في هذين الشاهدين القرآنيين:"الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، وقوله سبحانه"الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ" [1] ."
وحقيقة الأمر، أن الغاية الإلهية من خلق هذا الكون هى أن يملأه الإنسان بالقيمة، عبر الرؤية والفعل الأخلاقيين. مصداق ذلك قول الله تعالى:" {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} ، وقوله سبحانه:" {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [2] .
وترتيبا على ذلك، فإن استمتاع الإنسان بالقيم الأولية أو النفعية للخليقة مباح. فالله تعالى يقول:"يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" [3] . والكون الممتلئ بالقيمة دليل بارز على وجود الله. والحفاظ عليه وإثراؤه يدخلان في إطار حمد الإنسان لربه وعبادته له. وكل شئ في الوجود متضمن لقيمة كونية أعلى، بوصفه أداة لتحقيق المطلق.
وفى مقابل ذلك، انتقصت المسيحية من قدر هذا العالم واعتبرته ساحة للجسد، ومن قدر الإنسان كمخلوق محمل بالخطيئة، ومن المكان والزمان باعتبارهما مجالا من المستحيل تحقيق المطلق فيه إلى الأبد. [4]
(1) السجدة:7، الملك:3 - 4.
(2) الكهف:7، الملك:2.
(3) الأعراف:31 - 32.
(4) انظر: ... 10.&1:4 و. Augustine De ... DIversi Quaestionibus ,Ad Simplicianum, I St