يحقق الوحى القرآنى المنزل بلسان عربى مبين، كل هذه النتائج. فلولاه لتبدلت المعانى وحرفت. ودليل ذلك هو ما طرأ من تحريفات في الوحى المنزل على موسى وعيسى، وفى تعليمات زرادشت وبوذا، لما ضاعت لغاتها الأصلية، أو نسيت، أو تبدلت، فوصلت إلى حد العصف بمفهوم الرب المتعالى المفارق للطبيعة ذاته، ونزلت به إلى درك لا يقبله عقل أدنى دارس لتاريخ الأديان.
رابعا: الإسهام الخاص للإسلام في الثقافة العالمية: جوهر الخبرة الدينية في الإسلام هو: التوحيد، أى الشهادة بأنه: لا إله إلا الله. والبعد الإسلامى الأصيل في التوحيد - والجديد بالتالى - هو شق النفى في تلك الشهادة. فعبارة: لا إله إلا الله، زلزلت تلك الأوهام اليهودية والمسيحية والعربية الجاهلية التى تشرك كائنات أخرى في الربوبية مع الله تعالى، بعد أن نزلت صورة آلهة شبه جزيرة العرب المصنوعة من الحجارة والخشب، التى تفانى عبادها في الثناء عليها والسجود لها، وفى التقرب إليها بالكهانة والقرابين، بمفهوم الله، إلى درك من لا يضر ولا ينفع.
وافترضت عقيدة التثليث المسيحية، وجود ثالوث مقدس - الآب والإبن والروح القدس، يمثل كل منهم إلها بكل معنى الكلمة. وزعمت أن الرب قد أصبح بشرا، منتهكة بذلك كل من: وحدانية الذات الإلهية، وتساميها المفارق أو آخريتها المطلقة. وعبرت اليهودية عن الرب بصيغة الجمع، ووصمته بمعاشرة بنات الإنسان، منتهكة بذلك وحدانيته، وتساميه المطلق المفارق. وعلاوة على ذلك، ضاعفت اليهودية من جنايتها على الطابع المتعالى المطلق للإله، الذى يصير معه ما عداه مخلوقا له من العدم، وليس بطريق التوالد، بتسمية عزير، وملوك اليهود، واليهود بوجه عام،"ابن أو أبناء الله"، وبالقول بأن الرب"والد اليهود"، والزعم بأنه مرتبط بهم بطريقة مغايرة لطريقة ارتباطه بأى مخلوق آخر.
ويبدو أن من نقحوا العهد القديم، انشغلوا باختلاق ما يؤكد سمو الجنس العبرى على الأجناس الأخرى كافة. ومن ثم سعى الإسلام إلى تطهير الدين تماما من كل الشبهات التى علقت بوحدانية الله تعالى، وبتساميه المفارق المطلق. وانجز الإسلام بذلك مهمة مزدوجة: الإقرار بأن الله تعالى هو الخالق الوحيد للكون، والتسوية بين كل البشر بوصفهم من خلق الله تعالى، أنعم عليهم بذات الخصائص الأساسية للبشرية المخلوقة والوضعية الكونية.