الصفحة 84 من 334

وبطرق خاصة بهم. أما الثانية فهى دور مبتدع لا يمكن تمييزه عن تركيبات الخيال المحض. وعلاوة على ذلك، فإن الوظيفة الإبداعية غير معصومة من إمكانية اتهامها بالنسبية والذاتية على نحو يستحيل معه اعتبارها حجة بحد ذاتها لصالح الإسلام أوالمسيحية. وفى حال الركون إليها، تغدو كل الحجج شخصية وتاريخانية. ولن يسفر الحوار الإسلامى المسيحى عن نتيجة تذكر فيما لو كان كل ما يستطيع ادعاءه لنفسه هو أنه حوار بين طرفين لا بين ديانتين.

وليس تغير اللغة بالأمر الحتمى. فاللغة العربية لم تتغير، وإن كان مستودعها من الكلمات المصدرية قد زاد قليلا ليلبى المستجدات. أما جوهر اللغة المتمثل في بنائها النحوى والصرفى وتركيباتها وتعبيراتها الرابطة بين الوقائع والأفكار وأشكال محسناتها الأدبية، فلم يطرأ عليها أى تغيير. ولا أساس من الصحة لمقولة أن كل شئ يتغير ولا يصير هو ذاته أبدا، لأن وجود الثابت الدائم هو شرط بقاء التغيير اسما على مسمى، وعدم الدخول في تيار شكوكى متعدد الطبقات. والسبيل الآمن والدقيق في تعريف اللغة هو إلى حد بعيد التزام منحى اللغويين المسلمين الذين سلموا بوظيفة واحدة لها على سبيل الحصر، هى الوظيفية الوصفية المحضة. وعرف هؤلاء اللغويون الفصاحة، تمشيا مع ذلك بأنها"الدقة الوصفية". وصارت عملية وضع المعاجم اللغوية، في منظورهم محكومة بالمقدس. فالله تعالى يقول:""وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" [1] ."

وشمر أولئك اللغويون عن سواعدهم، وأخرجوا للغة القرآن العربية، معاجم لغوية بلغت درجة من الكمال لم تعرفها أى لغة أخرى. ووضعوا القدرة الإبداعية للعقل البشرى في مكانها الصحيح، وعرفوها في سعيهم للمزيد من الدقة، بأنها القدرة على اكتشاف جوانب الحقيقة التى يعجز الأقل إبداعا أو تأهلا عن الإمساك بها، بعكس العباقرة، ووضعها في دائرة الوعى الجلى. فكلما زادت دقة وصف مثل تلك الحقيقة الداخلة في دائرة الوعى، كلما صارت أكثر فصاحة وجمالا، وقدرة على الوعظ والإرشاد.

وظلت اللغة - العربية في هذا السياق - فرعا معرفيا منظما وعاما، مفتوحا للتنقيب فيه، قادرا على تقديم أحكام دقيقة، على نحو يلزم كل من يمتلك القدر الأساسى من الذكاء، أن يقول معه للمؤلف أو للناقد الجيد:"نعم، صدقت". وكان من الطبيعى أن

(1) البقرة:31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت