الصفحة 83 من 334

إنتاج الصيغة المطلوبة بمجرد الإقرار بالمغايرة بين الإسناد الإمبيريقى والسمو المفارق للطبيعى. وعند هذا التوقف يتحقق حدس التسامى المفارق، على نحو مناظر لسمة الحدس اللامتناهى المتولد من الأرابيسك، غير القابل للتعبير الحسى.

فالمعنى المعجمى يظل بمثابة مرساة للمفهوم، بينما يحلق الخيال للبحث عن صيغة ملائمة للمعنى المبحوث عنه، يستحيل عليه أن يصل إليها. ومن النماذج القرآنية المقربة لهذا المعنى تشبيه كلمة الله بـ": أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء {24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" [1] . فالكلمة هنا كالشجرة جذورها راسخة في الأرض، وفروعها لا نهائية ولا يمكن الوصول إلى منتهاها في السماء.

ج- حفظ اللغة العربية: أدى الحفظ الكامل للغة العربية بكل قواعد النحو والصرف المتأصلة فيها، واستعمال ملايين البشر المتواصل لها حتى اليوم، إلى إزالة معظم مشكلات التأويل التى تواجه القارئ المعاصر للقرآن بعد أربعة عشر قرنا على تنزله. وبهذا الحفظ ظل تنزيل الأحكام القرآنية على شؤون الحياة الدائمة التغير، متجددا على الدوام، وكذا ترجمة المبادئ القرآنية العامة إلى تشريعات محددة معبرة عن المهام والمشكلات المعاصرة. وبقيت إمكانية إدراك معانى التعبيرات القرآنية، والأسس التى تفهم مضامينها في ضوئها، مماثلة الآن بالتأكيد لما كانت عليه بالنسبة للنبى والصحابة قبل أربعة عشر شهرا. وظلت معايير وضوابط الفهم المؤسسة في عصر النبوة، حاكمة بعده لمسألة إدراك المعانى وتطبيقها في أرض الواقع. فمعيار الإحسان أو الإساءة في تطبيق المبادئ القرآنية على المشكلات المعاصرة، مرهون بفهم معانى القرآن على ذات النحو الذى فهمها به النبى.

وواقع الأمر، أن قدرة أى باحث على فهم الوحى الآن على ذات النحو الذى فهمه به المسلمون في صدر الإسلام، في عهد التنزيل، يمثل"معجزة"فى تاريخ الأفكار. ولا يمكن تفسير تلك المعجزة بتميز اللغة العربية في الوظيفتين الكشفية والإبداعية. فالوظيفة الأولى توحى بأن المعانى الخفية لا تتكشف إلا للمكرسين لها المتخصصين في علومها

(1) ابراهيم:24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت