الصفحة 82 من 334

هدى. وهذه هى ذات المخاطرة التى وقعت فيها اليهودية والمسيحية تحت ضغط الثقافة الهيلينية، وأسفرت عن معاناة كل منهما من تحولات جذرية [1] .

وآل أمر بلورة هذه المخاوف إلى أبى الحسن الأشعرى (المتوفى عام:322هـ/ 953 م) ، الذى بدأ حياته الفكرية ضمن المعتزلة، ثم انشق عليهم، وانتهى إلى أن الصفات ليست هى ذات الله، وليست هى غير الذات. وقال بخطأ كل من التشبيه والتعطيل. فالقول بالتشبيه يتناقض مع التسامى المطلق المفارق للذات الإلهية. والقول بالتعطيل يتعارض مع إثبات القرآن تلك الصفات لله تعالى، وهو ما يرقى إلى جحد الوحى ذاته. وخلص إلى ان المخرج من هذه المعضلة الفكرية هو: أولا، قبول النص المنزل كما هو، أى كنص يرتكز معناه على الدلالة المعجمية لعباراته، وثانيا برفض سؤال: كيف يمكن حمل المعنى الحسى العام على الذات الإلهية؟ بوصفه غير شرعى. وسمى تلك العملية: بلا كيفية [2] .

ومن الواضح أن الأشعرى أراد أن يقول أن الوقوع في التشبيه أمر محتوم، فيما لو انتظر مثير مسألة كيفية إسناد الصفة للذات الإلهية، الحصول على إجابة مماثلة لتلك التى تحلل علاقة إسناد الصفة للفاعل الطبيعى. وانتتهى إلى القول بأنه ما دام الفاعل والصفة المسندة إليه مفارقين ومتعاليين، فلا محل من الأساس لطرح تلك المسألة.

ومن الجلى أيضا أن الأشعرى أراد القول بأنه بمجرد التسليم بالطابع المفارق للصفة والموصوف المتعاليين، والصفة والموصوف الطبيعيين، تأسيسا على الإقرار بالمعنى المعجمى للصفة وفهمه ثم نفيه، تتولد حاجة العقل الإنسانى إلى صيغة جديدة للإسناد مغايرة للصيغة الطبيعية الإمبيريقية.

إلا أنه لا يجد صيغة جديدة متاحة. وهنا يدرك العقل استحالة صيغة الإسناد الطبيعية، بينما يظل فهمه للمحمول قائما على معناه المعجمى. وتضطر ملكة الخيال إلى

(1) راجع المناظرة التى أجراها المؤلف مع موريس ويلز، أستاذ اللاهوت بجامعة أكسفورد، حول موضوع التعبير عن الطابع المتعالى المفارق للذات الإلهية في اللغة، فى:

(2) أبو الحسن الأشعرى، مقالات الإسلاميين، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية 1373هـ/1954،المجلد1،224 - 229. وانظر أيضا مناقشة آراء الأشعرى بخصوص صفات الله تعالى فى: محمد عبد الكريم الشهرستانى، الملل والنحل، القاهرة: مطبعة الأزهر،1328/ 1910،ص 149 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت