وقد يعتمد الفنان المسلم في تصميم الأربيسك على أشكال هندسية تنطق بذاتها بنفى أى إيحاء بتعبير الطبيعة عن المقدس المتعالى. فالأرابيسك فن رحب الأفق بطبيعته يوحى بلا محدودية مجال الرؤية، وتستثير حبكة تصميماته التصور اللانهائى. فهو يولد"فكرة منطقية هى"الامتداد اللانهائى لنفسه. ويطلب من الخيال أن ينتج ذلك الامتداد فيما وراء تصميم أرضية أو لوحة أو واجهة أو جدار معين. و يفشل الأرابيسك في الوصول إلى تلك الغاية اللامتناهية في كل مرة يسعى فيها إلى ذلك، معطيا موضوعه مسحة حداسية جمالية باللامحدود، الذى هو واجهة للتسامى المتعالى المفارق.
وخلاصة القول، أن كل الفنون الإسلامية نمت على نحو يلبى مقتضيات اعتبار السمو الإلهى المفارق، مبدأ حاكما أعلى لعلم الجمال. وطورت كل الفنون الإسلامية أساليب تؤكد نفى محاكاتها للطبيعة، وبعدها عن السمتين التطويرية والتصويرية. وتمحورت عبقرية كل تلك الفنون في تحويلها كل قوى الاستقطاب والتماسك الطبيعية، وكل العناصر الطبيعية للكتلة والفضاء والضوء والعناصر الطبيعية للمياه واللون، وللحن والإيقاع، ولتجليات الظاهر والمنظور، وبالجملة لكل ما هو طبيعى أو مخلوق، إلى نماذج طافية معلقة في الفضاء توحى باللانهائية. وعلى حد علمى لا يوجد أى استثناء جدير بالذكر، على مراعاة الفنون الجميلة الإسلامية لمبدأ تسامى الذات الإلهية المطلق. [1]
ب- الطابع المتعالى المفارق للذات الإلهية في اللغة عند المسلمين: حافظ المسلمون، على اختلاف ألسنتهم ولهجاتهم وخلفياتهم العرقية والثقافية في كل أرجاء المعمورة بكل دقة وبذات الدرجة، على مراعاة الطابع المتعالى المفارق للذات الإلهية في التعبير عنها بلسان القرآن الكريم. وحققوا بذلك مقصود الأحكام القرآنية، المبينة في آيات من قبيل قول الله تعالى:"إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"، وقوله:"وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا"، وقوله:"وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ"، وقوله:"وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ {27} قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"، وقوله:"كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"، وقوله"وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ {7} "، وقوله:"إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ {3} وَإِنَّهُ فِي"
(1) انظر في التفصيلات: Ismail R.al Farouky , ... Islam and Art, Studia Islamica ,Fasc ,XXXVII,PP. 81 - 109 .