حكمه وقضائه، ونفى إمكانية أن يمثل أى مخلوق تلك الذات الإلهية، أو يجسدها، أو يرمز لها بأى شكل من الأشكال. فلنقرأ من القرآن الكريم قول الله تعالى، في هذا المعنى:"وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [1] .، وقوله سبحانه:"اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [2] ، وقوله:"وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ {100} بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {101} ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ {102} لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [3] ، وقوله:"قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا {42} سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا {43} تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" [4] "
وانسجاما مع هذه الرؤية، حرص المسلمون كل الحرص على أن لا يلبسوا إيمانهم من قريب أو بعيد بأى شائبة تجسد وجود الله تعالى في صورة أو في شئ، أو تقيد تساميه المطلق في وعيهم. وحرصوا على أن لا يستخدموا في التعبير عن الله تعالى غير لغة القرآن ومفاهيمه وتعبيراته، التى وصف الله تعالى بها نفسه في الوحى القرآنى المنزل. والتزم المسلمون بهذا المبدأ في كل مجالات حياتهم، وفق التفصيل التالى:
أ- الطابع المتعالى المفارق للذات الإلهية في الفن الإسلامى: تحاشى المسلمون في كل مكان وزمان بكل صرامة الربط بين الله تعالى وأية صور أو أشياء حسية. ولم يحدث أبدا أن وجد في أى مسجد أى شئ جرى الربط بينه وبين الذات الإلهية. وكان المسجد على الدوام بيتا خاليا، تتزين جدرانه وسقفه بواحد من اثنين: آيات من القرآن الكريم، أو بالأربيسك المجرد، الذى هو فن زخرفى يتشكل من تصميمات من سيقان النباتات وأوراقها وزهورها، يرسمه الفنان عن عمد على نحو متكرر ومتناظر، لا يحاكى الواقع الطبيعى، مما ينفى أى إيحاء محتمل باستخدامه الطبيعة المخلوقة كوسيلة للتعبير عن الذات الإلهية المقدسة.
(1) البقرة: 163.
(2) آل عمران:2.
(3) الأنعام:100 - 103.
(4) الإسراء:42 - 44.