أن واحد. ومن الواضح أن صفة العلو له وفق هذا المنطق تصير بلا أساس. ويستلزم القول بغير هذه النتيجة، التخلى عن قواعد التفكير المنطقى.
بيد أن المسيحية كانت على استعداد للوصول إلى حد مخالفة المنطق في هذا الصدد. فأثارت مفارقات ظاهرية بخصوص أمر بدهى، وألبست تلك المفارقة ثوب المبدأ المعرفى. إلا أن ادعاء أى شئ في ظل هذا المبدا يبدو ممكنا، ويفقد النقاش أى معنى له. فقد لا تستقيم للمسيحى دعوى أن الثالوث المقدس - الآب والإبن والروح القدس - طريقة للتعبير عن الرب، لأنه لو صح أن ذلك الثالوث يعبر عن طبيعة الذات الإلهية بشكل أفضل من تعبير الوحدانية عليها، فإن تعبير درجة أعلى من التعددية عنها بدرجة أفضل سيكون أولى. وحتى لو نزلنا بمقولة الثالوث المقدس إلى مستوى كونها مجرد مدركة، فإنها تظل تمثل هرطقة لكونها تنفى مبدأ عدم إمكانية التجسد كمبدأ طبيعى.
3 -الطابع المتعالى المفارق للذات الإلهية في الإسلام: يقف الإسلام على طرف نقيض مع اليهودية والمسيحية بخصوص هذه المسألة. ويعلن الإسلام أن مسألة التسامى الإلهى المطلق قائمة في مواجهة كل إنسان وتعنيه، وأن الله تعالى خلق كل البشر قادرين على معرفته في علوه المطلق. فتلك هى الفطرة التى فطر الله البشرية عليها، والتى تمثل القاسم المتشرك بين كل بنى آدم. [1] وهذه الفطرة ملكة يتعرف بها الإنسان على الذات الإلهية في سموها ووحدانيتها وطبيعتها المتعالية المفارقة للمخلوقات. ومن هنا لا يسلم الإسلام بالتفرقة الهندوسية بين البشر بين أناس بوسعهم التأمل في الذات الإلهية في تساميها المطلق، وأناس لا يمكنهم إدراكها إلا عبر آلهة أخرى، أو عبر أصنام.
ولما كان إدراك السمو الإلهى المفارق بالمطلق، مركوز في فطرة الإنسان ذاتها، وموجود بالضرورة، بالتبعية، فإن الإسلام يعزو كل انحراف إنسانى عنه إلى التربية والتاريخ، ويبين أن مثل هذا الزيغ ينتقل من ثقافة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل بسبب النسيان والبلادة العقلية والهوى والمصالح المكتسبة.
والركن الأول الذى تنبنى عليه العقيدة الإسلامية هو شهادة أن: لا إله إلا الله. ويفهم المسلم هذه الشهادة على أنها تعنى نفى وجود أى شريك لله تعالى في الوجود فى
(1) اقترب رودولف أوتو من هذا الموقف الإسلامى، حينما أكد أن كل بنى آدم يتمتعون بملكة الحس المشترك، التى استعار مسماها من عمانويل كانط، والتى تمكنهم من إدراك المقدس في وجوده الغيبى المفارق للطبيعة، وكذا في قوته و جاذبيته المحركة للوجدان أو الآسرة له. انظر الفصل الخامس من كتابه: 1958 , Oxford UNIVERSITY Press NewYork ,: The Idea of the Holy