المسيحيون كل فهومهم تلك مسلمات، راحوا يبحثون في العهد القديم عن دليل على تعددية الذات الإلهية. وبتفكيرتعوذه أى درجة من التمحيص، ظن أوجستين وترليان، وكثيرون غيره، أن ضمائر الجمع المعبرة عن الذات الإلهية في سفر التكوين، من أمثال:"فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه"دليل على ألوهية ثلاثة. ولا تزال هذه حجة مسيحية يؤمن بها مفكرون مرموقون من أمثال كارل بارث، الذى يدعى بلا أى حياء أن الذكورة والأنوثة متأصلة في الطبيعة الإلهية، مستدلا بورود عبارة"ذكرا وأنثى خلقهم"، بعد تلك العبارة المقتطفة من سفر التكوين مباشرة [1] . فهو اعتبر العبارة التالية للعبارة الأولى المنتهية بلفظ (صورته) ، بيانا لها، وهى تشير بالتالى إلى الذكورة والأنوثة كمقومات للصورة الإلهية [2] .
والتزم المسيحيون بمقولة الألوهية غير المتعالية بحزم إلى درجة صارت معها فكرة ثابتة لديهم، على نحو تمكن معه بول تيليش من أن يعلن عن نوع سرمدى فرعى، وأن الرب المتعالى المفارق غير معروف ولا يمكن أن يعرف ما لم يتجسد في شئ طبيعى وتاريخى. [3]
ولما كانت حالة فكرة التسامى المطلق للإله قد تردت إلى هذه الدرجة في المسيحية، فإن اللغة التى باتوا يعبرون بها عنها صارت هى الأخرى غير ملائمة. وعلى الرغم من أن المسيحيين لم يكفوا عن القول بأن الرب متعال، فإنهم تحدثوا عنه كإنسان حقيقى مشى على الأرض، وفعل كل منا يفعله البشر، بما في ذلك معاناة سكرات الموت.
ووفق منطقهم هذا فإن المسيح إنسان وإله في آن واحد. ولم يسع أحد منهم إلى تحقيق التناغم بين القول ببشرية عيسى والقول بألوهيته دون أن يؤدى به ذلك إلى الإتهام بالهرطقة والردة. وهذا هو السبب في لجوئهم، على أحسن الفروض، إلى لغة غامضة وحمالة أوجه على الدوام. أما حين يضطر أى مسيحى للإفصاح عن موقفه من هذه المسألة، فإنه لا يجد مناصا من التصريح باعتقاده بأن الله متعال وحال في مخلوقاته فى
(1) الكتاب المقدس، سفر التكوين: 1: 28.