الصفحة 75 من 334

حددت نفسها من منطلق هذا التماهى الجوهرى بين عيسى والرب المتميز عن تعددية الذوات والصفات والوعى.

ومن الجلى أن مصدر هذا الإنحراف الجديد عن خاصية التسامى المفارق للذات الإلهية كما عرفت على مدى تاريخ الوعى السامى، لم يكن نتاج ما ورثه المسيحية عن اليهودية. فالمسيحية أخذت من ذلك الإرث المفهوم، وليس المضامين. ولم تكن الغنوصية أيضا هى مصدر ذلك الإنحراف. فلقد رفض الغنوصيون مقولة التسوية في الطبيعة بين الرب وعيسى، وكانت حجتهم في ذلك، في مواجهة المسيحية في الدفاع عن خاصية التسامى المفارق في الذات الإلهية:"إن كان قد تألم فليس بإله. فلو كان إلها لما عانى" [1] .

ومعنى ذلك، أن مصدر هذا الإنحراف هو تأثير الطقوس السرية على الوعى السامى. فمن هذا المصدر استقت المسيحية صورة إلهها المعذب الذى يخلص الإنسان بموته ثم قيامته بالعودة إلى الحياة، وتنتقل منته وفضله إلى المتناول عبر سر القربان المقدس [2] . ويعد هذا التأثير المناوئ لفكرة التسامى المفارق للذات الإلهية مسؤولا جزئيا عن نجاح المسيحية في مرحلتها التكوينية في أوساط غير الساميين غير العارفين بمبدأ كون الرب"آخر مفارق بالكلية للمخلوقات".

وهذا العامل مسؤول بنفس الدرجة عن الانحراف في تأويل مفاهيم عبرية وآرمية بريئة، كانت متداولة بين معاصرى عيسى. فكلمة المثال، أو آدم المثال، تعنى شخصا حسن التربية، وفاضلا بالتبعية. إلا أن تلك الكلمة اكتسبت عند القديس بول بعدا ماورائيا خفيا. وبات بوسع كل إنسان صالح أن يدعى ما فعله المسيح، أى يحقق مقولة"أنا وأبى (الرب) واحد"بمعنى الطاعة المطلقة للمشيئة الإلهية. إلا أن المسيحيين فهموا ذلك على أنه يعنى أن المسيح ادعى وضعية مقدسة لنفسه.

وفى حين كانت كلمات مثل: كبير، كبيرة، قديس، قديسة، أوصاف تطلق على أى شخص له سلطة بين الساميين، فهم المسيحيون إطلاق الحواريين الساميين هذه الصفة على المسيح، على أنها تعنى أنهم اعتبروه إلها. وأخيرا وبعد أن اعتبر رجال الدين

(1) عرفت هذه الحجة بهذه الصيغة بالقياس الآريوسى. انظر المرجع السابق ص 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت