الأرض. وهذا هو مفهوم التسبيح المشترك الجامع. يقول الله تعالى:"تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [1] ."
هـ - المسؤولية والمحاسبة: تبين لنا فيما سلف أن الإنسان مكلف بتغيير نفسه، ورفاقه ومجتمعه وبيئته، بما يتناغم مع النموذج الربانى المنشود. واتضح لنا أيضا أن بوسع الإنسان تحقيق ذلك، بما أن الطبيعة طيعة وقابلة لتلقى فعله فيها وتجسيد غايته. ويترتب على المقدمات سالفة الذكر، أن الإنسان حر مسؤول. فالإلتزام الأخلاقى مستحيل دون المسؤولية عنه والحساب عليه. وبالقرآن الكريم آيات كثيرة تؤكد على مسؤولية الإنسان، منها على سبيل المثال قول الله تعالى:" {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} ،"وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ،وقوله" {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ} ،وقوله جل في علاه"لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [2] .
وما لم يكن الإنسان سيسأل ويحاسب بشكل ما، في موضع ما، عن أفعاله، فإن إمكانية اساءته استخدام الحرية الممنوحة له يظل احتمالا راجحا. فالحساب، وتحمل المسؤولية شرط ضرورى للإلتزام الأخلاقى، أو للإلزام الأخلاقى.
ومبدأ المحاسبة متأصل في طبيعة المعيارية ذاتها. وهذا هو ما يعنيه الإسلام بيوم الحساب، يوم يقوم الناس لرب العالمين. ومبدأ محاسبة الله تعالى للبشرية جمعاء يوم القيامة مبدأ قرأنى كلى مطلق، يمكن القول، بأنه يمثل الأساس الذى يقوم عليه النظام الأخلاقى / الدينى الإسلامى برمته. وليس المهم أن تتم تلك المحاسبة في هذه الحياة الدنيا مواكبة للفعل الإنسانى في مكانه وزمانه، أو في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة معا. المهم هو
(1) الإسراء:44.
(2) انظر هذه الشواهد القرآنية على التوالى: الأنبياء: 23،الزخرف:19، الذاريات:12، الرعد:18.