الصفحة 63 من 334

لله، ويوضح أن مبنى التكليف على الإبتلاء في درجة الإجادة في العمل. يقول الله تعالى:"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [1] الذاريات 56، ويقول: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [2] الملك 2. ولو لم يكن أمر الوجود كذلك، لما كان هناك مفر من النزعة الكلبية. فدون غاية العبادة لله والإبتلاء تفقد عملية الخلق ذاتها، وكذا عمليات الزمان والمكان، معناها ومغزاها. ودون قدرة الإنسان على الفعل، وقابلية الطبيعة لإعادة التشكيل، يتهاوى صرح التكليف والإلتزام الأخلاقى. وبانهياره تتحطم الغاية التى من أجلها خلق الله الكون."

بتعبير آخر، فإن سنن الله تعالى في الخلق، ومنطق الخلق، يقتضى إمكانية تحقيق غايته في الزمان والمكان في هذه الحياة الدنيا، فيما بين الخلق واليوم الآخر. ولابد أن يكون الإنسان بوصفه فاعل الفعل الأخلاقى قادرا على تغيير ما بنفسه، وعلى تغيير رفاقه ومجتمعه، وعلى تغيير بيئته الطبيعية، وأن تكون النفس والرفاق والمجتمع والطبيعة بالمقابل، قابلين للتغيير بتلقى الفعل الإنسانى المؤثر. فهذه القدرة، وتلك القابلية هى شرط تجسيد السنن الإلهية أو الأمر الإلهى التكليفى في النفس وفى الغير على حد سواء. ودون القدرة الإنسانية الأخلاقية تستحيل قدرة الإنسان على التصرف الأخلاقى، وتنخرم الطبيعة الغائية للوجود.

ومرة أخرى، نقول أنه بما أن للكون غاية بوصفه من صنع الله تعالى المنزه عمله عن أى عبث أو لعب، والثابت له التسوية والكمال، فإن الخليقة لا بد أن تكون طيعة وقابلة للتحول وللتغيير في جوهرها وهيكلها وشروطها وعلاقاتها بالفعل الأخلاقى الإنسانى، كشرط لتضمين النموذج أو القصد الإنسانى في الطبيعة، أو تجسيدها له. ويصدق ذلك على كل الخلائق، بما فيها الطبيعة النفسية والجسدية والروحية للإنسان. فكل مخلوق ميسر لما خلق له. والخليقة بعمومها مؤهلة لتحقيق ما ينبغى أن يكون، أو بالأحرى تجسيد المثال الإلهى المطلق في حدود الإستطاعة في الفضاء المكانى والزمانى الذى تعيش فيه الإنسانية على هذه

(1) الذاريات: 56.

(2) الملك:2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت