الصفحة 62 من 334

ومعنى ذلك، أن البعد الروحى للإنسان المرتكز على الفهم والفعل الأخلاقى هو وحده الذى يخرج من نطاق السنن الإلهية التكوينية المحكومة بقاعدة:" {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [1] . فالفهم والفعل الأخلاقى يعتمدان على صاحبهما ويتحددان بقراره وما تنعقد عليه نيته. ولتحقق الإرادة الإلهية بهذا الفعل الأخلاقى الحر قيمة نوعية تفوق تحققها بالتسخير بواسطة المخلوقات الأخرى. ذلك أن مستوى تحقق الإرادة الإلهية دون اختيار من الفاعل يتعلق بمستوى القيم الأولية أو النفعية. أما التحقيق الحر لتلك الإرادة فيتجاوز ذلك المستوى إلى مستوى القيمة الأخلاقية."

ولا يجب أن يغيب عن بالنا أن للغايات الأخلاقية التى أرادها الله تعالى للإنسان بأوامره التكليفية، ارتباطا بالعالم المادى، ولها بالتالى بعدها القيمى الأولى النفعى. كل ما في الأمر أنها لا تستمد تميزها وتفردها من ذلك البعد، وإنما من كونها: فعلا أخلاقيا حرا. فمصدر رقيها النوعى هو كونها قابلة للتحقق بإرادة الإنسان الحرة، بحيث تظل إمكانية الإمتثال لها، أو مخالفتها واردة.

والدرس المهم الذى يمكن الخروج به من إشفاق السموات والأرض من تحمل أمانة التكليف الحر، وقبول الإنسان لها مختارا، أن التكليف يقتضى أمرين بالضرورة: القدرة، والإختيار. يقول الله تعالى:" {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [2] ."

د- القدرة الإنسانية وقابلية الطبيعة للتطويع: يترتب على حقيقة أن لكل شئ في الوجود غاية خلق من أجلها، أن للكون في مجمله غاية، وأن تحقيق تلك الغاية داخل في حدود قدرة الإنسان في هذه الحياة الدنيا ضمن الزمان والمكان. ويحدد القرآن تلك الغاية بعبادة المكلفين

(1) يسن:82. ومن بين الشواهد القرآنية الأخرى التى يمكن للقارئ تعميق هذه النقطة بالرجوع إليها: البقرة:117، آل عمران:47، 59، الأنعام:73،النحل:40، مريم:35، غافر:68. ولقد تجاوزت في الترجمة في هذه النقطة وأمثالها عن بعض المفاهيم الملتبسة، مثل: القانون الطبيعى، والحتمية الطبيعية، موظفا مفهوما بديلا أكثر تعبيرا عن المعنى الذى يؤصل له المؤلف، وهو: الأمر التكوينى في مقابل الأمر التكليفى - المترجم

(2) الأحزاب:72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت