الصفحة 61 من 334

ج- الغائية: طبيعة الكون غائية، بمعنى أن له غاية خلقه خالقه من أجلها. وهو يؤدى غايته تلك في الحدود المرسومة له. فالكون لم يخلق عبثا ولا على سبيل اللعب. يقول الحق سبحانه وتعالى:" {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} ، ويقول:"الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"، ويقول:" {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ" [1] . فالكون ليس نتاج الصدفة، بل هو كون أبدعه خالقه على أكمل حال، وخلق كل شئ فيه بقدر، ليؤدى وظيفة كونية محددة له. يقول الله تعالى:"الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ} . ويقول:" {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} ، ويقول:" {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [2] .

فالعالم كون مترابط ومنتظم ومتناغم، لا تفاوت فيه ولا فطور، تتحقق فيه إرادة خالقه على الدوام. وسنن الله تعالى في الكون بمثابة أوامر تكوينية لا مناص من تحققها، لأن كل المخلوقات مفطورة في هذا المستوى على الإمتثال لأمر الله تعالى فيها. يقول الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ} ، ويقول:" {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} ، ويقول" {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [3] .

ويصدق ذلك على كل المخلوقات، باستثناء الإنسان فيما يتعلق بالأوامر التكليفية الإلهية الموجهة إليه. فذاك العمل الإنسانى الأخلاقى لا يتوافق بالضرورة مع الإرادة الإلهية، لكونه في جوهره عملا يرتكز على التدبر الحر الإرادى المقصود. أما الإنسان في بعده الجسدى والنفسى فهو متكامل مع بقية المخلوقات، وخاضع للسنن التكوينية، وغير مختار في الاستجابة لمقتضياتها.

(1) انظر هذه الشواهد القرآنية على التوالى: المؤمنون:115،آل عمران:191،الأنبياء:16.

(2) انظر هذه الشواهد القرآنية على التوالى: السجدة:7، الأعلى:2، يسن:64.

(3) انظر هذه الشواهد القرآنية على التوالى: الملك 3:، الفرقان:2 التوبة:51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت