الصفحة 60 من 334

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ"، وقع فريق من عباده في خطل بالغ في تصور حقيقته: {وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} ، رغم حقيقة كونه سبحانه" {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} ، وأمره لعباده أن"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَدُ {2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ {3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ {4} [1] . وأما النظام الآخر، فيتعلق بالمكان والزمان والخبرة والخليقة، ويشمل كل المخلوقات وعالم الأشياء والنباتات والحيوانات والبشر والجن والملائكة والسموات والأرض والجنة والنار، وكل ما يتعلق بهم منذ أن جاءوا إلى هذه الحياة وحتى نهايتها."

ونظام الخالق مغاير تماما وبشكل مطلق لنظام المخلوقات، من حيث الكينونة، والكنه، ومن حيث الوجود والوظيفة. ومن المستحيل على الإطلاق أن ينصهر أحدهذين النظامين في الآخر، أو يحل فيه، أو يختلط به، أوأن يتحد أحدهما بالآخر. فمن المحال أن يتحول الخالق إلى مخلوق، ولا أن يتسامى المخلوق ليصير ويتجلى في صورة الخالق بأى منطق، ولا بأى شكل كان.

ب- التصورية: العلاقة بين نظامى الخالق والمخلوق فكرية تصورية في طبيعتها، وركيزة مرجعيتها في الإنسان هى ملكة الفهم. ويشمل الفهم بوصفه أداة للمعرفة، ومستودعا لها: كافة الوظائف المعرفية كالذاكرة والتخيل والتفكير والملاحظة والحدس والإدراك، وما شاكل ذلك. وكل البشر فطروا على الفهم بدرجة تكفى لمعرفة المشيئة الإلهية بواحدة من طريقتين أو بكلتاهما: الوحى المنزل من عند الله تعالى، واستنباط تلك الإرادة من ملاحظة السنن الإلهية المبثوثة في الكون التى لاتتبدل ولا تتغير. وإليها يشير قول الله تعالى:"فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [2] ."

(1) انظر هذه الشواهد القرآنية على التوالى: الشورى:11، الأنعام: 100، الأنعام:103،الإخلاص:1 - 4.

(2) فاطر:43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت