الصفحة 59 من 334

وواقع الأمر، أن الدولة الإسلامية وضعت كل مواردها تحت تصرف المجتمع المسيحى، أو المجتمع اليهودى، أو المجتمع الهندوسى أو البوذى، كلما سعت تلك المجتمعات إلى الاستعانة بسلطتها في إعادة أى فرد من أتباعها يتحدى موجبات الإلتزام بها، إلى مرجعيتها. وكانت الدولة الإسلامية هى الدولة الوحيدة غير اليهودية، التى لا يسمح فيها لليهودى أن يتنصل مما تفرضه يهوديته عليه من حقوق وواجبات، أو أن يتمرد على مرجعيتته اليهودية. وتنطبق ذات القاعدة على المسيحى والبوذى والهندوسى. وفى المقابل، لم يكن ثمة مناص أمام الفرد اليهودى الأوربى، حتى تحريره في القرن التاسع عشر، أن يتحدى تعليمات كنيسه، إلا أن يحرم كنسيا، ويعامل كشخص مخالف للشريعة اليهودية، تنتظره خارج أسوار الجيتو، الدولة المسيحية، أو أى شخص غير يهودى، لتقصيه أو تقتله. أما الدولة الإسلامية، فكانت تعيد اليهودى الشرقى الذى يتحدى مرجعيته الدينية، إلى جادته، باسم حاخاماته. وهذا أبلغ دليل على الفهم الإسلامى للأمانة التى حملها الله للإنسان على أنها فعل أخلاقى.

ثانيا: التوحيد كرؤية للعالم: جرى التعبير عن التوحيد عادة وببساطة على أنه يعنى الإعتقاد والشهادة بأنه: لا إلله إلا الله. وتأتى هذه الشهادة التى تبدو في ظاهرها مبنية على الإثبات بعد النفى، في عبارة في غاية الإيجاز، تحمل أعظم المعانى، وأغناها في الفضاء المعرفى للإسلام كله. وقد يحدث أحيانا أن تعبر جملة واحدة عن جماع ثقافة كاملة، أو حضارة كاملة، أو تاريخ كامل. وهذا بالقطع هو حال: الكلمة، أو شهادة الإسلام. فكل ما يحتويه الإسلام من تنوع وثراء وثقافة وتعاليم وحكمة وحضارة متضمن في تلك العبارة بالغة الإيجاز: لا إله إلا الله.

فالتوحيد هو رؤية عامة للحقيقة، وللواقع، وللعالم، وللمكان وللزمان، ولتاريخ الإنسانية ولمصيرها. وفى لبه تكمن المبادئ التالية:

أ- الثنائية: بالكون نوعان متمايزان: إله، ولا إله. خالق ومخلوقات. أما نظام الإله فهو قاصر على الله سبحانه وتعالى وحده. فهو وحده الرب السرمدى، الذى لا بداية له ولا نهاية. وهو الخالق، المتعالى، المتفرد على الدوام، بلا شبيه ولا شريك. فهو سبحانه""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت