الصفحة 58 من 334

وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [1] .

هذا عن تأثير الخبرة الدينية الإسلامية على لاهوت الخلاص. أما عن تأثير تلك الخبرة على تاريخ العالم فهو الآخر بالغ الأهمية. فبنور تلك الخبرة اندفع المسلم بنفسه على مسرح صنع التاريخ، رغبة في تجسيد النموذج الإلهى، الذى بلغه إياه رسول الله بالوحى المنزل عليه. ولم تعد في حياته قضية أحب إلى نفسه وأغلى عليها من تلك القضية، إلى حد صار معه مستعدا للتضحية بنفسه في سبيلها. وبرؤية صحيحة لمهمته في هذه الأرض، نظر المسلم إلى الكرة الأرضية بأسرها على أنها ساحة فعله، ونظر إلى أمته على أنها تشمل البشرية بأسرها عدا حفنة يسيرة من المتمردين، لا يمتثلون إلى الكلمة السواء معها، إلا بقوة السلاح.

ولم ينظر المسلم إلى سلامه الإسلامى الذى يبنيه بسواعده، على أنه سلام مجتمع أحادى البنية يسود فيه الإسلام وحده. فلقد احتضن ذلك المجتمع أهل الكتاب من نصارى ويهود، وصابئين، بنص القرآن الكريم. وضم الزرادشتيين بالسنة النبوية. وانفتح أمام البوذيين والهندوس باستقراء الفقهاء المسلمين لدلالات السنة النبوية. وظل النموذج على ما هو عليه، متمثلا بعالم كلمة الله فيه هى العليا، والكل يسلم بسموها، كما يقول القرآن الكريم:"وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2] ،"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ" [3] . إلا أن ذلك التسليم، لا تكون له أية قيمة ما لم يكن مؤسسا على قرار حر ومدروس من جانب كل فرد. وهذا هو السر في أن الدخول في السلام الإسلامى، لا يعنى أبدا اعتناق الإسلام. بل يعنى الدخول في علاقة سلمية تغدو الأفكار في ظلها حرة، والبشر أحرارا في الإقناع والإقتناع."

(1) آل عمران: 195.

(2) التوبة:40.

(3) البقرة:193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت