الصفحة 65 من 334

أنه لا مفر من الحساب، وأن القاعدة أن طاعة الله تعالى بمعرفة أوامره وتجسيد نموذجه في أرض الواقع، هو سبيل الفلاح والسعادة واليسر. وفى المقابل، فإن معصية الله تعالى تفضى بصاحبها إلى البوار والضنك وسوء المنقلب [1] ... .

والمبادئ الخمسة سالفة الذكر بمثابة حقائق بدهية، تشكل لب التوحيد، وخلاصة الإسلام، وهى بذات الدرجة عصارة الحنيفية، و كل الوحى الإلهى المنزل على رسل الله تعالى. فكل الرسل دعوا أممهم إلى هذه المبادئ، وأسسوا صرح رسالتهم عليها. وبالمثل، فطر الله تعالى البشرية على هذه المبادئ، فهى مركوزة في نسيج الطبع الإنسانى، وتمثل فطرة غير قابلة للتبديل. يقول الله تعالى:" {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [2] ."

وبذا زود الله تعالى الإنسان بمصدرين لمعرفة ما ينبغى أن تكون عليه رسالته في هذه الأرض: الوحى المنزل، والوعى النابع من الفطرة التى فطر الله تعالى الناس عليها. وعلى هذه المبادئ الخمسة تأسست الثقافة الإسلامية بكاملها. وكانت هذه المبادئ مجتمعة الممثلة لجوهر التوحيد هى الجذر الرئيس لكل المعرفة الإسلامية وللأخلاقيات والجماليات الفردية والاجتماعية الإسلامية، وللحياة وللفعل الإسلامى، على مدى التاريخ.

وخلاصة هذا الطرح أن جوهر الخبرة الدينية الإسلامية هو إدراك أن وجودنا في هذه الحياة ليس عبثيا، بل هو لتحقيق غاية غير متطابقة في طبيعتها مع مسايرة الهوى الطبيعى، والانتقال من إشباع شهوة غريزية إلى إشباع شهو ة غريزية أخرى جديدة. فالحقيقة النهائية

(1) يتبين المرء بكل يسر من إلقاء نظرة خاطفة على السور القرآنية المكية أن العلاقة بين الله تعالى والإنسان علاقة تعاهدية. والمفهوم من كل الرسل السابقين وتابعيهم، أن تلك العلاقة علاقة عهد وميثاق. وينبع الأساس الأخلاقى والدينى لدى الأولين من تلك الروح التعاهدية. ونلمس ذلك بجلاء في شريعة حمورابى وقوانين ليبيت عشتار، وغيرها من القوانين التى عرفتها بلاد الرافدين في العصر القديم لدى السومريين والبابليين والكلدانيين والفينيقين. انظر:

(2) الروم:30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت