من هنا من الله تعالى على الإنسان بتنزل الوحى الإلهى على الرسل والنبيين، ليتعرف به على المشيئة الإلهية ببيان مباشر وآنى لما يريد الله تعالى منه أن يحققه على الأرض. وكلما انحرفت البشرية عن مضامين الوحى الإلهى، جراء التحريف أو النسيان، أو الإفساد فيه، أنزل الله تعالى رسله من جديد لاستعادة الوعى الإنسانى الصحيح بالإرادة الإلهية، على نحو يراعى قدرات الإنسان النسبية وفق الزمان والمكان، وما يطر أ عليهما من تحولات، تحقيقا لغاية واحدة، هى أن يظل في متناول الإنسان على الدوام، القدر الكافى من المعرفة الصحيحة بالأوامر الإلهية التكليفية الأخلاقية.
ومن جهة أخرى، أنعم الله تعالى على الإنسان بالحواس والعقل والقدرة على الفهم والحدس، وبكل مقومات فطرة التعرف بنفسه على الإرادة الإلهية دون معونة من أحد، لأن تلك الإرادة الإلهية فطرت عليها العلاقات الطبيعية، والعلاقات الإنسانية على حد سواء. وفى حين يركز الإنسان على العلم الطبيعى في استكشاف سنن النظام الطبيعى، فإنه يتوجه في ضبط العلاقات الإنسانية إلى تفعيل الحس الأخلاقى، والإلتزام بالنظام الأخلاقى. وعلى صعيد الشق الأول يدرك الإنسان أن اكتشافاته واستنتاجاته ليست يقينية، بل هى موضع تجريب متواصل يصوب به الخطأ، ويعمق بصيرته بمزيد من التجريب والتحليل والتصحيح.
وعلى ضوء هذا التصور تظل مواصلة البحث ممكنة، ولا ييأس العقل من إعادة النظر في اكتشافاته السابقة، ولا يمل من تصحيحها، دون أن يقع في براثن النزعتين الشكوكية والكلبية ... . ويعى الإنسان المسلم أن معرفة إرادة الله تعالى بالعقل ممكنة، ومعرفة إرادته سبحانه وتعالى بالوحى يقينية. وبمجرد إدراك تلك الإرادة تصير مقبولية مضمونها واحدة من حقائق الوعى الإنسانى. فجوهر المعرفة بالقيمة هو إدراكها، واعتمال جاذبيتها المحركة في ا لوجدان، وقوة العزيمة النابعة منها في النفس. و مقتضى معرفة القيمة، هو انتهاء خلود الإنسان إلى الأرض، وفقدانه توازنه الوجودى لصالح التحرك باتجاهها، بما يعنيه ذلك من مكابدة التغيير، والشروع في الوعى بما تستوجبه كينونته بوصفه خليفة بأمر الله تعالى في الأرض، والقيام بما يجب عليه القيام به ترتيبا على ذلك الوعى. وكما اعتاد العالم