الصفحة 54 من 334

أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ [1] .

ومن هنا، فإن الإنسان هو المخلوق الوحيد، الذى يتوفر في فعله الشرط الأخلاقى، وهو: الفعل الحر. والقيم الأخلاقية أرقى من القيم الأولية الطبيعية، حيث أنها تستبطن قبولها هى والقيم النفعية الوسائلية مسبقا، وتجاوزها، وتتبوأ بالتالى مكانة أسمى من كليهما. ... ومن الواضح، أن القيمة الأخلاقية للفعل الحر هى الشق الأسمى من الإرادة الإلهية التى لأجلها خلق الله الإنسان، وأنعم عليه بأن جعله خليفة بأمره في الأرض.

وبهذه النعمة الإلهية صار الإنسان أسمى مكانة من الملائكة، لكونه أقدر على فعل ما لا يقدرون هم على فعله. ومن بين الأدلة القرآنية على هذا التكريم الإلهى للإنسان:"وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ" [2] . فالإنسان قادر على التصرف على نحو أخلاقى، بعكس المخلوقات الأخرى. والإنسان يخضع شأنه شأن المخلوقات الأخرى الحية النباتية والحيوانية للسنن الإلهية التكوينية الطبيعية، في وجوده المادى على ظهر البسيطة، بوصفه شيئا من الأشياء الكائنة على الأرض. إلا إنه يتبوأ في المقابل مكانة لا نظير لها، بوصفه الكائن الحر الذى يتحقق عبره الشق الأسمى من المشيئة الإلهية في الكون. فالإنسان صاحب رسالة كونية، لكونه خليفة أصيلا لتطبيق الأمر التكليفى الإلهى في الأرض، بوصفه الشق الأسمى من الإرادة الإلهية.

وحاشا لله أن يخلق مخلوقا كونيا مثل الإنسان، ثم لا يزوده بالقدرة على معرفة الإرادة الإلهية، وأن يجعل كل ما على الأرض طيعا ومسخرا له، بدرجة تكفى لقيامه برسالته الأخلاقية، أو أن يسكنه في أرض لا يختلف حالها، بقيامه بتفعيل إرادة الله تعالى فيها، عن حالها لدى نكوصه عن القيام بتلك المهمة التكليفية فيها.

(1) الزمر:41.

(2) البقرة: 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت